>دور الأئمة والدعاة في مواكبة روح العصر

>

كلمة فضيلة الشيخ علي حسن خازم في ملتقى علماء بلاد الشام لنصرة قضايا الأمة – الأحد 14/4/1426هـ الموافق 22/5/2005م في مجمع الشيخ أحمد كفتارو في دمشق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الحديث عن دور الأئمة والدعاة في مواكبة روح العصر فرع سؤال أساسي هو هل نعيش كأمة إسلامية وكأفراد مسلمين عصرنا بكل معطياته أم أننا أو بعضنا قد انسحب إلى سالف الزمان فيما البعض الآخر يبيت حالماً بزمان قادم؟

إن القسم الإلهي في القرآن الكريم بالعصر يتبعه جواب بالحكم (إن الإنسان لفي خسر) ويستثنى منه المؤمنون العاملون للصالحات، والمتواصون بالحق وبالصبر، والقسَمَ وجوابه والاستثناء منه لا يختص كل منها بعصر دون عصر بمعنى أن المؤمن الكامل يعيش عصره عاملاً للصالحات، ويوصي إخوانه باتباع الحق وبالصبر وبالثبات على كل ما يواجهه في طريق الحق.و”بكلام عصري” أن الآية تحدثنا عن وظيفة المسلم –المشددة إذا كان داعية- تجاه عناوين ثلاثة:

1- القيم
2- الأساليب
3- الأشياء
وهذه العناوين الثلاثة هي مما يتصور أنها مورد التغير بين عصر وعصر.
أولاً, القيم:
إذا كنا كمسلمين لا نقبل ولا يقبل معنا أي سليم الطبع صحيح العقل أن يتبدل المعروف منكراً أو الفضيلة رذيلة، لأن مجموع الفضائل الخلقية لا يمكن أن تتغير قيمتها من الإيجاب إلى السلب كالصدق والعفة والأمانة، فإننا يمكن أن نتصور قابلية أن يكون الفعل الأخلاقي نسبياً بمعنى قابليته لأن يكون محموداً في مجال ومرذولاً في مجال آخر كما لو سئل معتقل عند العدو الإسرائيلي عن إخوانه المجاهدين فإن الصدق في الجواب أو التورية أو الكذب فيه فعل يقبل النسبية فلو صدق ودلَّ على إخوانه كان فعله مذموماً.
والآن كيف نتصور روح العصر في مواجهة هذه المسألة: إننا نعيش عصراً يعمل فيه على تدمير منظومة القيم الأخلاقية التي تتبناها الأديان والإنسانية من خلال الضغط المكثف على الأفعال الأخلاقية بل والأفعال المباحة لتؤثر في تبديل القيم وهو مصداق الحديث النبوي: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر فقيل لـه: أَوَ يكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم وشر من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل لـه: يا رسول الله، أَوَ يكون ذلك فقال: نعم وشر من ذلك فكيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً)).
فعلى المسلمين الانتباه الشديد، والتمييز بين الموارد التي يبيح فيها الشرع الانتقال من فعل موافق للشرع إلى فعل مخالف تجيزه الضرورة بالالتزام بالقاعدة القائلة ” إن الضرورات تقدر بقدرها” وإلا فإن التفلت من الأحكام الشرعية سيكون عاقبة الأمر وسيضيع بالتالي مفهوم القيم الإسلامية.
ثانيا, الأساليب:
شهد التاريخ الإسلامي نموذجين في العمل الدعوي باختلاف مواردهما، فمرة تكون الأمور والأوضاع الاجتماعية والسياسية مستقرةً، فنجد حالة “طلب العلم” منتشرة ويكون العلماء كالأشجار المثمرة تؤتى ويجتنى من ثمرها. ومرة أخرى يكون على العلماء المبادرة إلى بذل العلم وبيان الأحكام الشرعية.فعندما يكون المجتمع في حالة من الضياع ماذا يكون أثر “الفتوى” بدون عمل على بيان آثار الفساد والأعمال السيئة في نفوس وأبدان واقتصاد وكرامة الناس.وعندما يكون الغالب على المجتمع الفلتان الأخلاقي ماذا يؤثر نبذ الفاسدين إلى الفاسدين والمفسدين بدلاً عن استجلاب قلوبهم وعقولهم بالرحمة والشفقة واللين ؟!.
إن هذا الع صر يشهد حضور الضلال والفساد إلى كل فرد في مجتمعنا فبأي أسلوب من الأسلوبين نأخذ؟!
ثالثاً, الأشياء:
لعل هذا العصر أكثر العصور إيجاداً للأشياء: الأدوات وجعلها في متناول الناس بحيث إنك تجد في كل الأفعال الإنسانية مجالاً للاستفادة من أشياء وأشياء وليست الخطورة كامنة في نفس الشيء أو الأداة ولكن الخطورة تكمن في الربط بين هذه الأشياء وبين القيم فالتلفزيون والراديو والكومبيوتر كسالفها من المخترعات تقبل الاستخدام في طاعة الرحمن أو في خدمة الشيطان، في قضايا تتعلق بكرامة الإنسان أو في قضايا تستخف عقله.فأين موقع الدعاة والمسلمين من هذه الأشياء؟
إن الانسحاب إلى الماضي أو الحلم بالآتي ليسا من وظائف المسلمين فضلاً عن أئمتهم ودعاتهم فإن القرآن الكريم وفي أكثر من موضعٍ ذمَّ القعود ودعا إلى العمل وكذلك بيَّن أنه ليس بالأماني تتحقق النتائج المرجوة.(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض… )، (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به).إن العمل الصالح لـه أكثر من مصداق في عصرنا هذا بدءاً من طلب العلم والكد الجسدي إلى العمل لتحرير فلسطين وكل موقع محتل من عالمنا الإسلامي بل لتحرير الإنسان.وإن التواصي بالحق يعني التواصي بقيم الدين والإنسانية السليمة والتواصي بالصبر يكون بالتواصي بالصبر على أمور نكرهها والصبر عن أفعال واستخدام لأشياء نحبها.هذه روح المعاصرة التي نفهمها والتي ينبغي أن ندعو إليها وإلا فإننا قاعدون حالمون مهزومون مرذولون أمام الله وأمام الناس.
هذا المنشور نشر في مؤتمرات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s