رؤية الشهيد مطهري الى دور علماء الدين

في اجواء الذكري الثلاثين لاستشهاد الفيلسوف العلامة الشيخ مرتضي مطهري , هذه مقالة قدمتها في ندوة شخصية الشهيد مطهري وفكره في مركز الامام الخميني، التي عقدت في بيروت11 و12/11/1998
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال :” لا تجلسوا عند كل عالم يدعوكم، إلا عالم يدعوكم من الخمس الى الخمس من الشك الى اليقين و من الكبر الى التواضع و من الرياء الى الاخلاص و من العداوة الى النصيحة و من الرغبة الى الزهد.”
أدى انتصار الثورة الاسلامية الايرانية بقيادة الامام الخميني (قده) الى بعث الاهتمام بالتعرف على المؤسسة التي افرزت هذا النموذج غير الاعتيادي من الثوار والقادة والمصلحين ، خاصة و أن الجهاز الذي اعتمد عليه في إدارة هذه الثورة كان الغالب عليه كونهم ايضاً ينتمون الى نفس المؤسسة و هي ” الحوزة ” .
هذا الاهتمام لم يبد اعظم عند غير المسلمين منه عندهم ذلك أن النظرة الى الاسلام في تلك المرحلة كانت محكومة بعوامل عدة جعلت صورة الاسلام جامدة على هيئة بعض النماذج الساكنة سكوناً هو اقرب الى الموت و الجمود ولا شأن له بالتالي في عملية النهوض و الحياة التي بها تستمر الأمم و المجتمعات. فضلاً عن ان الالتزام بالاسلام كان مبعثاً للاتسام بالرجعية حتى على المستوى الفردي.
لكن في مقلب آخر كان العالم الاسلامي يشهد حركة حيوية أخفاها وقار عباءات و عمائم أولئك الذين يحيون ببساطة و قناعة و يتحدثون بهدوء وتؤدة ولا يضجون حيث لا يثمرون ، وأهم ما في هذه الحركة وأبرز مظاهر الحيوية فيها كان اعادة الامساك بالوظيفة الشرعية من النقطة الاساس : الإصلاح ” اللهم انك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيئ من فضول الحطام ، و لكن لنرد المعالم من دينك و نظهر الاصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، و تقام المعطلة من حدودك” كما قال الامام علي عليه السلام أو كما قال الامام الحسين (ع) : إني لم اخرج أشراً و لا بطراً و لا مفسداً و لا ظالماً ، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي” . و لم يكن بروز مصلح بحجم الامام الخميني (قده) ممكناً لولا تضافر عوامل عدة أبرزها أن الحوزة كانت في أكثر من موقع من مواقعها سواء في النجف أو في قم تشهد وعياً للمشكلات التي يعاني منها الجهاز الديني الشيعي حيثما وجد في الحوزة أو في خارجها ، و تحس بخطر داهم على الاسلام و المسلمين في أنحاء العالم.
في الوقت نفسه لم تكن ثمة مشكلة في أن تقدم الحوزة فقهياً أوأصوليا وقد قدمت فعلا نماذج متميزة و عبقرية. و لكن المشكلة كانت في قدرتها على تقديم الأسوة الناشطة التي تبني مجتمعاً إسلامياً متميزاً , و نحن نعلم عجز الحوزة في النجف عن تهذيب المقيمين فيها من غير الطلبة الذين كانوا يؤذونهم بشكل أو بآخر.
لم تكن ثمة مشكلة في الحوزة تؤدي الى العجز عن فهم معطيات العصر الثقافية فيما لو استفيد من عمق المباحث و الدراسات التي تزود بها الطلبة , و لكن المشكلة كانت في صورة الدور المفترض لكل طالب بمفرده و جعل همه أن يصير فقيهاً و بالتالي مرجعاً للتقليد أو مدرساً كبيراً في المدينة الحوزة أو لا شيئ خارجها … لأن العلماء يعرفون أنه حتى من حاز نصيباً وافراً من التحصيل العلمي و تحول ليكون إمام بلدة فإنه سرعان ما يفقد هذا المحصول حيث لا بحث و لا مدارسة و لا علم إلا فيما ندر.
و هكذا كانت الحوزة تملك معطيات وافرة في مجالات و تفقد الفاعلية في مساحات حتى كاد العجز في الفاعلية أن يفقدها بعض تلك المعطيات . كما تحول عدد من الطلبة الاذكياء عن الاستمرار بالزي الديني وانتقلوا الى المواقع العلمية الحديثة كالجامعات درسا و تدريساً . بل ظهرالتحول عن الالتزام بالفكر الديني عند البعض مثلاً، أو ظهور حالات التلفيق بين التراث الشيعي الثوري و بين العمل السياسي في الأطر العلمانية أو الملحدة أو غير ذلك …
إن وعي المشكلات التي عانت منها الحوزة، و الاحساس بحجم الفتن التي تتهدد العالم الاسلامي في كافة المجالات العقائدية و الاجتماعية و السياسية أديا الى ما تحدثنا عنه من حركة و حيوية. و بهذا كانت الحوزة بعنوانها العام متقدمة ليس على ذاتها فحسب بل على أكثر من يعدون انفسهم متنورين و تقدميين إذ تبين لهم انهم لم يكونوا يرون من صورة الحوزة إلا اطارها الجامد و الجوانب المعتمة التي لا تخلو منها الصورعادة.
و أهم ما في هذا الوعي و الإحساس أنهما لم يقتصرا على مستوى دون آخر في الحوزة فلم يكونا عند المراجع دون كبار المدرسين ولا عند هؤلاء دون طلبة المراحل العليا ولاعند هؤلاء دون العلماء الذين خرجوا من الحوزة الى ساحات و دول لم يكن فيها حوزة بالمعنى التقليدي.
الشهيد مرتضى مطهري واحد من هؤلاء العلماء الذين تفاعلوا مع قضية الحوزة خلال اهتمامه بقضايا العالم الاسلامي من حيث ادراكه لعظمة تأثير الحوزة بما هي الأساس في تهيئة علماء الدين لأخذ دورهم في المجتمع فكتب مقالته الهامة “المشكلة الأساس في جماعة علماء الدين” سنة ١٩٦٣ و هو بسن ٤٥ .
و عندما نريد البحث عن رؤية الشهيد مطهري لدور علماء الدين فإننا ننظر في نفس الوقت الى الحوزة لانها الام و ننظر أيضاً في مفردات أخرى لا تبعد عنها، و لاستكشاف هذه المواضيع في فكر الشهيد مطهري فاننا بحاجة الى متابعته في كل ما طبع له من مؤلفات حتى و ان بدا ان عنوان بعضها أو أكثرها بعيداً عن صلب الموضوع كما في كتابي “الدوافع نحو المادية” و “أجوبة الاستاذ للاستفادة على كتاب مسألة الحجاب “.
نقاط كثيرة أجاب عليها الشهيد مطهري و هي تقع في الطريق الى الدور الاقصى الذي يطلبه الشهيد من علماء الدين لا يتسع المقام لبيانها و لكن اثارتها مهمة من مثل موضوع:
رجل دين أم عالم دين
الزي الديني
العلوم الدينية و غير الدينية
عصمة العلماء والمراجع
التبليغ الديني
التأليف و النشر
هل يؤخذ العلم من أي روحاني
فريضة طلب العلم على المجتمع
وجوب رفع مستوى الناس لفهم اختلاف العلماء.
باختصار شديد إن دور علماء الدين في رؤية الشهيد مطهري يقع بين أحد اثنين : إما الخدمة الاجتماعية و إما الاصلاح , ولكل منهما وظائف تحضيرية ووظائف تنفيذية والاصل عنده ان الدور الحقيقي لعلماء الدين هو قيادة المجتمع نحو الاصلح لانها المهمة الالهية الملقاة على عاتقهم.
و يعتبر الشهيد مطهري أن المواصفات الخاصة للمصلح تجعله نادر الوجود ، يقول :” هل سبق أن خطر ببالكم لماذا عندنا في تاريخ الاسلام أشخاص مبرزون من كل الطبقات في مختلف المجالات حيث عندنا الادباء العظام و الحكماء العظام و الوعاظ و الخطباء العظام و السياسيون العظام…و لكن ليس لدينا مصلحون؟
نعم إننا فقراء في هذا ، صحيح انه قد ظهر بيننا بعض المصلحين و لكن ليس بالقدر المنتظر..إن للمصلح نبوغاً و شخصية و عمق بصيرة و بعد نظر و تضحية تختلف عما للآخرين” .
و يميز الشهيد مطهري بين الإصلاح و الخدمة الاجتماعية بقوله: ” الإصلاح الإجتماعي يعني التغيير الاجتماعي نحو الهدف المطلوب” . دواء السرطان خدمة و لكنه ليس اصلاحاً اجتماعياً و مع التقدير لخدمات العاملين الكبار فعمل الشيخ مرتضى الانصاري أحد الفقهاءالكبار , أو صدر المتألهين أحد الفلاسفة الاسلاميين العظام ، خدمة و خدمة كبيرة جداً , أو مثلاً تفسير مجمع البيان , و لكنه ليس اصلاحاً اجتماعياً بل عمل قام به أحد العلماءفي الانزواء الكامل . الصالحون كالمصلحون لهم قيمتهم مقابل خدماتهم و لكن لا يعتبرون من المصلحين” .
و اذا كان التغيير الاجتماعي سينتهي بالثورة فإن كل ثورة تحتاج الى قيادة و قائد , و هنا يرجع الى دور المصلح او جماعة المصلحين لأنه اضافة الى المؤهلات العامة للقيادة فثمة شروط:
1 أن يكونوا عارفين بالاسلام معرفة جيدة
2- أن يكونوا عارفين بالأهداف و الفلسفة الأخلاقية و الاجتماعية و السياسية للاسلام
3- أن يكونوا على معرفة كاملة بنظرة الاسلام الى الحياة
4- ان يستوعبوا الايديولوجية الاسلامة استيعاباً كاملاً.
و من البديهي أنه “لا يستطيع أحدً أن يتحمل قيادة بهذه المؤهلات و الشروط الا أن يكون قد تربى في صميم الفكر الاسلامي و أن يكون عارفاً بالقرآن و السنة و الفقه و المعارف الاسلامية معرفة كاملة و على هذا الاساس ايضاً لا يستطيع الا علماء الدين قيادة الثورة الاسلامية”.
و هكذا نرجع معه الى الحوزة التي هي الاصل و المنشأ لهؤلاء العلماء ، والحوزة هي الطلبة والمدرسون و المراجع وهي الكتب و المناهج ، و خريجوها هم الحوزويون الذين تعرضوا ويتعرضون للسهام من كل طرف وعلى تقدير حسن النية فإن البعض قد يتخذ من صورة غير الحقيقي من الطلبة أو من المتزينين بزي العلماء نموذجاً عاماً يدفع الناس عن الاعتماد حتى على العلماء الحقيقيين و هذه الظاهرة مستمرة الى الآن.
و حيث أن الشهيد مطهري يعتبر بحق ممن امتلكوا الثقافة الحوزوية و الثقافة غير الحوزوية فإنه وعن نضج كتب مقالته الشاملة “المشكلة الاساس في جماعة علماء الدين” معتبراً أن طريقة صرف سهم الامام أوجدت سلسلة من المشاكل في الحوزة . وهذا الموضوع كما ذكرنا نشره سنة ١٩٦٣ ، و اقترح حينها جملة من الامور المساعدة على عودة الحوزة الى سابق وضعها .
و عن رأيه في الحوزة قال سنة 1973في رسالته تصحيح وضع “حسينية الارشاد” التي كانت منبراً هاماً له و للدكتور علي شريعتي :
” انني ما زلت و منذ عشرين عاماً اي منذ وصلت الى مرحلة الاستقلال الفكري مناصراً حازماً للحوزة و منتقداً لها في آن واحد ، مناصراً ومدافعاً جاداً عنها و هي أصلي و منطلقي ، ففخري الوحيد هو دخولي هذا السلك ، ففي الحوزة وجدت أشرف و ازكى الاشخاص ، الحوزة هي (نسبياً) وريثة ثقافة ال(١٤٠٠) عاماً الاسلامية ، هكذا ارى الحوزة و أرى نفسي سنبلة في بيادرها العظيمة”. “و كنت وما زلت اعتقد ضرورة بقائها و حفظها فلا يمكن لشيئ أن يقوم مقامها واعتبر شعار “إسلام بدون حوزة” شعاراً استعمارياً. ” و في الوقت نفسه فإني شخص منتقد لحوزتي ، اعتقد بوجوب احداث اصلاحات فيها ، كثيرون هم غير الكفوئين الذين تلبسوا بزي الحوزويين المقدس ، فلا ينبغي الانقياد الاعمى لأمثال هؤلاء الذين يدعون تمثيل الحوزة قبل الحوزويين الحقيقيين” . “… ووجهة نظري…وجوب و لزوم الاستفادة من الحوزويين الحقيقيين ووجوب و لزوم المقاومة العنيفة للمتلبسين بالزي الحوزوي المقدس الذين استغلوا مزاياه دون أن يمتلكوا شيئاً من العلم و التقوى و هما علامة الحوزويين الحقيقيين”.
و الاستفادة من الحوزويين الحقيقيين كانت شرطه ليس فقط للإصلاح الاجتماعي بل حتى في نظم الوسائل المختلفة ، ففي تظيم الحسينية المذكورة اشترط وجود ” المجلس العلمائي الاعلى ” و ان يكون اعضاؤه معروفين بالتقوى ، عارفين بأحوال و أوضاع الزمان وشؤونه ، مطلعين على مقتضيات العصر و تياراته ، و أن يكونوا من ناحية المقامات في العلوم الاسلامية بدرجة تكون معها شخصيتهم العلمية مورد قبول وتأييد الحوزات العلمية… أي أن تتوافر فيهم درجة الاجتهاد كحد أدنى” .
هذا المنشور نشر في ندوات ومحاضرات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s