الإمام علي (ع) وأثره في التصوف العملي

الشيخ علي خازم
مؤتمر نهج البلاغة والفكر الإنساني المعاصر , دمشق ,1414 هجرية / 1993 ميلادية.
إختلف المؤرخون للتصوف الإسلامي في مصادره التي انطلق منها، هل هي الكتاب و السّنة و سيرة الصحابة، أم هي مصادر وافدة: هندية و مسيحية…الخ.
واختلفوا في موافقة ما ذهبت إليه الصوفية لللإسلام او خروجه عنه، ومما قاسوا عليه في هذا المجال اقوال و مذاهب كان لبعضها حظ في الإنتشار في المجتمع الإسلامي وبعض دون ذلك.
و لعل أبرز ما اختلف فيه في هذا المجال هو علاقة التصوف بالتشيّع لعلي بن أبي طالب عليه السلام. و لئن عمل أكثر علماء الشيعة الاثني عشرية على إدانة التصوف من حيث هو طريق مختَرَع للسموّ الرّوحي والعلاقة بالله عزَّ و جلّ- لا من حيث غايته – فإن مذهب من رأى علاقة ما بين التصوّف و التشيّع قد ركّز على إعتبار أمير المؤمنين المعين الذي صدر عنه الصوفيّة في مشربهم درجة أولى، ثم حاول أن يوفِّق بين بعض مقالات الصوفيّة و بين بعض مقالات الشيعة لعلي بن أبي طالب على أيّ نحو كان هذا التشيّع.
و إذا استطعنا فهم هذا التوفيق من حيث ابتنائه على إعتبار التصوّف و التشيّع متقابلين كاتجاهين بغض النظر عن الاختلافات الداخلية فيهما، وهو أمر يبعد عن الموضوعية، فإننا نحتار في فهم الشدّة و القسوة لدى بعض الباحثين من حيث الإصرار في اتجاههم على نفي كل علاقة لعلي عليه السلام بالتصوّف و من أن يُعدّ مؤثراً في حدوث الإتجاه الصوفيّ.
إنتساب الصّوفيّة لعلي عليه السلام:
إن الحكم بعدم مشروعية السلوك الصوفيّ يرجع إلى إعتباره تشريعاً لم يأت أصحابه بدليل صحيح عليه من الكتاب و السّنة ، فضلاً عمّا أدّى إليه في مراحله المتأخرة من توهّم الحلول والإتحاد، فهو إذاً إختراع محض. و هذا الإعتراض هو جوهر إشكال علماء المسلمين على الصّوفيّة.
وإذا قٌبلَ هذا الإعتراض كمادة أساسية في نقاش دعاوى الصوفية فإننا لا نستطيع دفع جوانب أخرى ساهمت في تشكيل هذا الإتجاه الروحي بين المسلمين، ومن أهمّ هذه الحوانب كما يدّعيها المؤرخون: الزّهد و الفتوة وهم يعدّون الإمام علي بن أبي طالب رأس سلسلة إسنادهم والمؤثر الأهم، وهذا التأثير ليس محكوماً به استنباطاً فقط ، بل هو مما أقَرَّ به كبار الصّوفيّة ونقل عنهم حتى اشتهر.
ذكر ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة:
” ومن العلوم علم الطريقة و الحقيقة وأحوال التّصوّف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون وقد صرَّح بذلك الشبلي والجنيد وسري وأبو زيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم و يكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم حتى اليوم و كونهم يسندونها إليه عليه السلام”.
كذلك في الفتوة فإننا ننقل عن ابن أبي الحديد:
” وما أقول في رجلٍ أحبَّ كل أحد أن يتكثَّر به، وودَّ كل أحد أن يتجمّل و يتحسَّن بالإنتساب إليه حتى في الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها” أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك” ، فإنّ أربابها نسبوا أنفسهم إليه و صنّفوا في ذلك كتباً، وجعلوا لذلك إسناداً أنهوه إليه، وقصروه عليه، و سمّوه سيّد الفتيان، و عضدوا مذهبهم بالبيت المشهور المروي أنَّه سُمع من السماء يوم أُحُد: “لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي”.
نعم، قد يؤخذ على الفتوة كما يؤخذ على غيرها خروجها عن الإسلام و أحكامه في موارد متعددة، ولكننا لا نرى مبرراً لمن يذهب إلى دفع الزهد العلوي من أن يكون ملهماً للزهد عند من أتوا بعده، أو فتوته عليه السلام أن تكون مصدراً للفتوة اللاحقة غير كون هؤلاء يقرؤون التاريخ محاكمبن و مقدسين، وبمعنى آخر إنهم ينفون عن “الصّوفيّة” و “الفتيان” حق الإنتساب لعلي عليه السلام، متناسين وجود اتجاهات منحرفة كثيرة بلغت حدَّ الغلوّ فيه دون أن تُسئ إليه أو إلى أتباعِه و شيعته المخلصين له، وقد يكون منشأ الإنحراف دخيلاً على جماعة تأسست في صورة معتدلة أول نشوئها.
نزاع و محاكمة:
إننا في موضع المحاكمة لهذين الإتجاهين: الزهد و الفتوة نستطيع أن نرسم حدودهما العلويّة لنُخرِج كل الإنحرافات و الشطحات عن دائرة ساحته عليه السلام، ويمكن لنا أن نشكك في صحة السند المعنعن في إلباس الخرقة عند الصّوفية، أو إلباس السروال عند الفتيان وما إليها من تفاصيل عملية ونظرية وفي إيصال هذا الشك إلى منتهاه الإثباتي نفياً كفاية لتبرئة ساحة من يحق لهم الإنتساب والتشيّع لعلي مما يدَّعى بحقِّهم زوراً وجهلاً.
إنّ الحدّة في طرفي إشكالية العلاقة بين التّصوّف والتشيّع قد نشأت من إصرار المدّعين على حمل كل ما ورد في الإتجاه الصّوفيّ ونظرياته على مذهب الشيعة بعنوان موالاة علي مطلقاً، واقتناص لآراء لم يتبنّها أكثر من أصحابها ممن انتسب إلى التشيع لتكون دليلاً على ما اتجهوا إليه.
وفي المقابل، استند الطرف المعترض من الاثني عشرية إلى أقوال بعض الأئمة الناظرة إلى صوفية معينة ليُدينوا بها كل الاتجاه الصوفي، بل وسعى البعض إلى إرجاع الصّوفيّة إلى المذهب السّني- كما وادّعى ذلك بعض السنة – لتحمل هذه الجهة كل هفوات وأضاليل القوم.
وبين هذين، ظُلِم التّصوّف كاتجاه روحي، فلم يدرس بموضوعية من جهة غرضه، وهو بلا شك غرض سام، ومنع من أن يُنظَر إليه كحالة رُقي روحي في مسيرة الأمة الإسلامية ومن مآثرها الحضارية.
وظُلِم الإمام علي عليه السلام أيضاً بمنعه أن يكون مؤثِّراً في هذا الإتجاه الروحي بنواحيه الإيجابية الأساسية.
وفوق ذلك اخترعنا مجالاً جديداً لتمزيق الأمّة الإسلامية من حوله.
الصّوفيّة فرقة إسلامية أم أشخاص؟
إن أسماء بارزة في عالم التّصوّف الإسلامي نفسه، وفي الطرق المختلفة فيه قد رفضت ما يرفضه المحققون من علماء السّنة و الشيعة، وذهبت إلى ما يذهبون من الاقتصار على الشريعة في طريق الوصول إلى الحق و إبطال مقالات الاتحاد و الحلول كما نرى في طعن علاء الدولة السمناني المعدود من مشايخ الصّوفيّة على الشيخ محي الدين بن عربي في ما ذهب إليه من إعتبار فرعون عين الحق تعالى.
و أن بين من يتّصفون بالصّوفيّة أنفسهم تبايناً واختلافاً يكاد معه عدُّ التّصوّف فرقة واحدة أمراً مستحيلاً، وهذا الادعاء على أي حال لم يظهر إلا من عدد قليل فيهم منهم الرومي، ولم يقل به أحد من المؤرخين للتّصوّف إلاّ الفخر الرازي كما في كتابه” اعتقادات فرق المسلمين والمشركين” الباب الثامن:
” اعلم أن أكثر من حصر فرق الأمة لم يذكر الصّوفيّة وذلك خطأ، لأن حاصل قول الصّوفيّة أن الطريق إلى معرفة الله هو التصفية و التجرد من العلائق البدنية، وهذا طريق حسن”.
وكان قد سبقه باختلاف يسير أبو المظفر طاهر بن محمد الاسفراييني في كتابه “التبصير في الدين” و تمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين حيث عدَّه من مذاهب الفرق الناجية من أهل السنة و الجماعة.
التّصوّف إذاً حالة بين المتصوّفة، إلاّ أنَّ هذه الملامح لا ينبغي أن نغفل معها عن إمكانية ملاحظتها في حالات التّصوّف التي ظهرت في الأديان الأخرى أيضاً.
وهذه الذاتية تلزمنا بضرورة التوقف عند آراء كل متصوّف بنفسه، بل لعلنا لا نجد لواحدهم استقراراً في تعريفه لأمرٍ ما، إذ هم كما يدّعون أرباب أحوال ، ومن كانت هذه حاله كيف تمكن محاكمته، فضلاً عن إمكانية إفتراض نسق ممذهب .
وهذا حالهم في تعريف الصّوفي كما ينقله الدكتور أبو العلاء عفيفي عنهم يعطينا ما يزيد على أربعين تعريفاً فما بالك إذا وصلت نوبة البحث إلى التّصوّف النظري؟
مقام علي عليه السلام في الاتجاه الروحي تصوّفاً و فتوة:
إنّ التّصوّف العملي زهد وفقر وورع وعبادة وعمل وتوبة، والفتوة شجاعة وسخاء وحياء، وللإمام من هذه النصيب الأوفى بل هو المقدَّم فيها عن غيره دون رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم كما وصفه بذلك في نهج البلاغة:
“كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، و كان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد…”. وقال في شجاعته:” كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه”. وقد دعا الإمام إلى متابعة سيرة رسول الله بقوله:” فتأسَّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه و آله فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزى… قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، وأهضم أهل الدنيا كشحاً، وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وحقَّر شيئاً فحقره، وصغَّر شيئاً فصغَّره. ولو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض الله ورسوله، وتعظيمنا ما صغّر الله ورسوله لكفى به شقاقاً لله، ومحادَّة عن أمر الله”.
إنّ التّصوّف بما هو إتجاه روحي غرضه التقرّب من المولى و الإعراض عمّا سواه حالة نفسانية، ولا بدّ للنفس الإنسانية من طريق مرسومة وسائق يقودها.
وإنّ وجود الإنسان في هذه الدنيا يشتمل على وجودين مادي وروحي وهما متعلقان ببعضهما البعض، وقد بعث الله تعالى النبيين بالرسالات لتنظيم التناغم بين مقتضيات الطبيعتين المادية والرّوحية في مسار الوصول إلى أعلى مراتب العبادة المؤدية غلى عرفان الله حقّاً، وضمن هذه الصورة لا يكون التَصوّف خارجاً عما أشار إليه أمير المؤمنين حين ربط الآثار الروحية بالعمل والعبادة:
“الصلاة قربان كل تقيّ، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شيئ زكاة وزكاة البدن الصيام وجهاد المرأة حُسن التّبعّل”.
وقال عليه السلام أيضاً في نفس المجال:
“فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر، والزكاة تسبيباً للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحج تقوية للدين، والجهاد عزاً للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وترك الزنا تحصيناً للنسب، وترك اللواط تكثيراً للنسل، والشهادة استظهاراً على المجاحدات، وترك الكذب تشريفاً للصدق، والسلام اماناً من المخاوف والإمامة نظاماً للأمة، والطاعة تعظيماً للإمامة”.
إن كلام الإمام هذا يضع الفقه الذي سمّاه أهل التّصوّف علم الرسوم، في إطاره الذي أراده الله من خلق الإنسان: العبادة المفسرة بالمعرفة، وهذه المعرفة هي ما يسعى إليه الصّوفيّة، فهذا هو إذاً الطريق العلوي الذي يجمع بين ما للحق وللخلق ويوصل الإنسان إلى حالة القرب والإخلاص.
إن الإتجاه الروحي عند الإمام علي عليه السلام لم يخرجه من هذه الدنيا ولكنه كما في المنقول عنه قرضها على منهاج المسيح عليه السلام.
وهو في هذا الإتجاه الروحي لا ينكر تأثير الانشغال بالخلق عن الحق تعالى، وأن هذا الإنشغال قد يخرج الإنسان عن حدّه فيصير حينئذ “كالبهيمة المربوطة همّها علفها أو المرسلة شغلها تقممها” سعياً بين القاذورات المتنافس فيها.
أمير المؤمنين إذاً هو تالي رسول الله صلى الله عليه وآله في قيادة الأمة في معراجها الروحي و سنتحدَّث لاحقاً عن خصوصيته في هذا المجال ونكتفي هنا بالإشارة إلى أنّه سيعد عند الصّوفيّة رأس السلسلة في السند المتصل برسول الله ، ولكن هذا لم يمنع إتجاه قوم ممن خافوا استخدام هذا الموضوع سياسياً ومذهبياً أن يبتدعوا طرقاً تنتهي إلى الخلفاء الثلاثة الآخرين وإن لم يأخذ هذا العمل مداه وأحسب أن الإفتعال لخصوصيات وأحوال لم يقف أمام صورة ابن أبي طالب في أذهان المسلمين.
الإمام والفتوة
وكما في التّصوّف كذلك حاولت جماعة في الشام- كما يذكر الدكتور الشيبي أن تقلل من شأن علي عليه السلام في مقام “الفتوة” فأوجدوا مقابلها “النبوية” وهي جماعة قائمة على اسس الفتوة بغير اسمها ولكن لم يكتب لها الإنتشار، هكذا تصنع السياسة و البغضاء. يجعل علي عليه السلام مقابل النبي لأنّ جماعة تبنّته فيساء إليه من أعدائهم ليرتفع الولاء عند محبّيه و تخرج الأمور عن نصابها إلى أن يقضي الله برد هذه الأمة إلى الجادة الوسطى ويبقى علي في مقامه الذي هو فيه لا يضرّه شنآن مبغض ولا غلو محبّ.
عودة إلى العلاقة بين التّصوّف والتّشيّع
ذكرنا في موضع سابق أن بعض المؤخين ادّعى نسبة التّصوّف إلى التّشيّع لعلي مطلقاً، بمعنى أنه مثلاً قد عدَّ الغلاة المؤلهين لعلي عليه السلام شيعة مع أنّ المسلمين عموماً والشيعة الاثني عشرية خصوصاً يعتبرونهم كفّاراً.
وقلنا إن في هذا إفتراء على فرقة عريقة من المسلمين ومجافاةً للموضوعية ولو أراد هؤلاء الإنصاف لاكتفوا بالقول بأن للإمام علي عليه السلام التأثير المهم والبارز في ترغيب المسلمين بالعبادة والزهد والورع والفقر والرضا والتوكل…الخ وهي الأمور التي تعد بصورة موضوعية من المؤثرات في تشكيل الطرق و النظريات الصوفية اللاحقة.
إن القول بتأثر الصّوفيّة بالتّشيّع يحتاج بداية إلى تحديد لهذا التّشيّع وإن أول إشكال يرد على القائلين بهذه المقالة هو أنه لا يصح الجزم باعتبار المؤسسسين للتّصوّف في مراحله المختلفة شيعة لعلي عليه السلام ولو من خلال فهم التشيع بمعنى الموالاة عموماً، فماذا نصنع مثلاً بأبي بكر الكتاني مبدع فكرة “القطب” و المنظّر لها والذي كان يجد في نفسه غيرة من علي بن أبي طالب، فاستعمل المنامات ورؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره له بالسلام عليه للمصالحة معه.
نعم يمكن ملاحظة علاقة ما بين أحد الصّوفيّة وعلي عليه السلام ولكنّ هذا لا يعني صحة استناد كل ما يراه إلى علي. ويمكن أن تتشابه بعض الأفكار ولكن التشابه شيء والتأثر والتأثير شيء آخر يحتاج إلى إثبات اتباع ونقل. وفوق هذا كله، فإنّ الإشكال الأساسي على هؤلاء أنّهم من جهة يرَون التّشيّع مذهباً رُكِّب بتطور الزمان، ومن جهة أخرى يحكمون بأن التّصوّف أُخذ من التّشيّع. ولو سلّمنا بتشيّع المنقول عنهم أو المتأثَّر بهم فالأَولى أن يُقال بتأثُّر الصّوفيّة ببعض الشيعة لا بالتّشيّع، علماً بأن أكثر الشيعة يرون أن مذهبهم قد وُجد في حياة رسول الله نفسه ضمن صورة محددة يخرج عنها أكثر من يدّعى تأثيرهم في التّصوّف.
وبهذا نصل إلى أن القول بتأثر التّصوّف العملي في أكثر مفرداته بعلي عليه السلام هو قول صحيح دون الخشية من استعمال اصطلاح التّصوّف،وأنه عليه السلام اختُصَّ بهذا دون بقية الصحابة لأنه قد تميَّز عنهم فعلاً باعترافهم أنفسهم، والتزام كبار أهل الطريقة كما نقله عنهم ابن أبي الحديد وغيره.
وإذا أردنا تفسير ذلك فإننا نستطيع القول بأن الإمام علي عليه السلام قد تميَّز من بين الصحابة ليس بالسلوك العملي فقط بل بالتوجيه لهذا السلوك والدعوة له خصوصاً بعد تولّيه الخلافة وما كان عليه حال المجتمع الإسلامي آنذاك. وفي نهج البلاغة أسناد كافية ومواد يمكن الاعتماد عليها في تركيب الاتجاه الروحي عند الإمام، وسواء أردنا تشكيل هذا الاتجاه الروحي وفق مفردات القوم المتأخرة في التأليف ما بينها، أو أردنا أخذها كما هي لاستطعنا الوقوف على طريقة في الحياة الروحية لا نسقط معها من كلامه المجموع في نهج البلاغة – لخروجه عن الموضوع – إلاّ النزر اليسير.
إن الإتجاه الروحي عند أمير المؤمنين ليس شأناً يخرج به عن الحياة بل هو مترابط معها. إنه عليه السلام عنوان الذاكر الحقيقي لله :
انظر إليه وابن عباس يدعوه للقاء الخارجين إلى الحج، الطالبين الاستماع اليه ، وهو مشغول بخصف نعله ، فيسأله عن قيمتها على ما هي عليه، فلا يقيّمها بنصف درهم والإمام يراها أحبّ إليه من الإمارة إلا أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً.
وانظر إليه في السوق شاهراً سيفه يقول: من يشتري مني هذا السيف فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله (ص)، ولو كان عندي ثمن إزار لما بعته، فيبيعه رجل إزاراً ويؤخر قبض ثمنه.
وانظر إليه وقد رقع مدرعته حتى استحيا من راقعها وهو يراها معيناً على خشوع القلب. وانظر إليه لا يبيت مبطاناً وحوله أكباد حرَّى، ولعل في الحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع أو طمع بالقرص.
وهذا هو يسأل أهل الكوفة أن لا يدعوه يخرج من عندهم بما يزيد على ما أتاهم به ، وهو يأكل و يطعمهم من ماله الخاص و كدّ يمينه.
الاتجاه الروحي عند علي عليه السلام يحكم الحياة في هذه الدنيا و ينظمها، إنه الجمع بين العمل والعبادة ، بين المال والقناعة، بين الجهاد والتوكل، بين السلطة والزهد، بين سلامة البدن وتقوى القلوب. و لما كان الكلام عن الاتجاه الروحي عند الإمام علي عليه السلام كما ذكرنا مبثوثاُ في كل أنحاء النهج ، وقفت عند الأسلوب الذي يمكنني من الإشارة إلى معالم هذا الإتجاه دون حمل “نهج البلاغة” بكامله، فرأيت الاقتصار على بعض عناوين التّصوّف العملي وما ورد فيها منه سلام الله عليه كافٍ و أنا الخائف من الوقوف على عتبته فكيف بالخوض في ساحته.
الدنيا والعمل فيها:
“مثل الدنيا كمثل الحيَّة ليِّن مسّها، والسّم الناقع في جوفها، يهدي إليها الغر الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل”.
“الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ”.
“الدنيا خلقت لغيرها ولم تخلق لنفسها”.
“من هوان الدنيا على الله أنّه لا يُعصى إلاّ فيها، ولا ينال ما عنده إلاّ بتركها”.
وفي وصف الدنيا:”.. إنّ الله لم يرضها ثواباً لأوليائه،ولا عقاباً لأعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلّوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا”.
” أيّها الناس إنّما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من ممرّكم لمقركم”.
” إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداّ”.
ومن كلام له عليه السلام قاله للعلاء بن زياد الحارثي وقد دخل عليه يعوده فرأى سعة داره بالبصرة:” ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا و انت إليها في الآخرة كنتَ أحوج؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة. فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، قال: عليَّ به. فلما جاء قال عليه السلام: يا عديَّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك أترى الله أحلَّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين هذا انت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت، إنّ الله فرض على أئمة العدل أن بقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره”.
ليست الدنيا عند الإمام علي إلاّ مزرعة للآخرة، وهي بنفسها لا تستحق ذماً و لا مدحاً حيث أنها جعلت في تصرّف الإنسان:
” فالناس فيها رجلان، رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها”.
أو كما في كلام آخر له عليه السلام:
” الناس في الدنيا عاملان، عامل عمل في الدنيا للدنيا قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه فيفني عمره في منفعة غيره. وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معاً، وملك الدارين جميعاً،فأصبح وجيهاً عند الله لا يسأل الله حاجة فيمنعه”.
وهذا الذي ” جاءه من الدنيا بغير عمل” ليس ما ذهب إليه ابن أبي الحديد في شرحه بأنه أثر لاشتغاله بالعبادة، فإنّ هذا الأثر عند الإمام قد بُيِّن في موضع آخر حيث قال:” لا يسأل الله حاجة فيمنعه” بل هو المقسوم من الرزق المقدَّر للخلائق كلها.
إن الدنيا مشتملة على ما يذكّر بالآخرة وعلى ما يغر ويخدع ، والإنسان في حياته هو المسؤول عن كيفية النظر إليها. قال عليه السلام وقد سمع رجلاً يذمّ الدنيا:
” أيّها الذام للدنيا، المغترّ بغرورها، المخدوع بأباطيلها، أتغترّ بالدنيا ثم تذمّها؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟ متى استهوتك أم متى غرّتك؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم علَّلت بكفيك، وكم مرّضت بيديك؟تبتغي لهم الشفاء و تستوصف لهم الأطباء غداة لا يغني عنهم دواؤك ولا يجدي عليهم بكاؤك. لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا، وبمصرعه مصرعك. إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها ودار غى لمن تزوَّد منها ودار موعظة لمن اتعظ بها.مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمّمها وقد آذنت ببينها و نادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوَّقتهم بسرورها إلى السرور! راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيرا فذمّها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكَّرتهم الدنيا فتذكّروا، وحدَّثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتّعظوا”.
” يا أيّها الناس متاع الدنيا حطام موبئ فتجنبوا مرعاه، قلعتها أحظى من طمأنينة وبلغتها أزكى من ثروتها، حكم على مكثر منها بالفاقة، وأعين من غني عنها بالراحة. من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها، ومن استشعر الشغف بها ملأت ضميره أشجاناً لهنَّ رقص على سويداء قلبه: همٌّ يشغله وغمٌّ يحزنه ، كذلك حتى يؤخذ بكظمه فيلقى بالفضاء، متقطعاً أبهراه، هيناً على الله فناؤه وعلى الاخوان إلقاؤه. وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار، ويقتاث منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها بأذن المقت و الإبغاض، إن قيل أثرى قيل أكدح، وإن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء. هذا و لم يأتهم “يوم فيه يبلسون”.
” الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن، و الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار له عجز”.
” إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذ اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً، ودركهم لها فوتاً. أعداء ما سالم الناس و سلم ما عادى الناس! بهم عُلم الكتاب و به علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجوّاً فوق ما يرجون و لا مخوفاً فوق ما يخافون”.
ورئي عليه إزار مرقوع فقيل له في ذلك، فقال:
” يخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقتدي به المؤمنون. إنّ الدنيا و الآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان ، فمن أحب الدنيا و تولاها أبغض الآخرة و عاداها، وهما بمنزلة المشرق و المغرب وماش بينهما كلما قرب من واحد بَعُد من الآخر، وهما بعدُ ضرتان!”.
” إزهد في الدنيا يبصرك الله عوراتها ولا تغفل فلست بمغفول عنك”.
” يا دنيا يا دنيا، إليك عني، أبي تعرضت، أم إليّ تشوّقت؟ لا حان حينك، هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وعملك حقير. آه من قلة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر وعظيم المورد”.
الزهد:
يعرّف الإمام علي عليه السلام الزهد على أنه حالة نفسية :
” الزهد كله بين كلمتين من القرآن: قال الله سبحانه لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. ومن لم يأس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه”.
و”أفضل الزهد إخفاء الزهد”.
والزهد عنده عمل لا عجز، ولذلك قال عليه السلام:
” لا زهد كالزهد في الحرام” لأن الزهد مقابل للرغبة والطمع: “الطامع في وثاق الذل” و ” إن الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفيّ”
و ” الطمع رقٌّ مؤبد”.
وقد وصف عليه السلام الزاهدين والطامعين قال:” طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك قوم قد اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً وماءها طيباً والقرآن شعاراً والدعاء دثاراً ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح عليه السلام”.
وقابلهم بمن ” يرجو الآخرة بغير العمل ويرجي التوبة بطول الأمل يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين: إن أُعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم”.
وللإمام في دفع ما توهمه البعض طريقاً إلى الآخرة كلام جميل يقول:
” العجز آفة، والصبر شجاعة، والزهد ثروة، والورع جُنّة، ونعم القرين الرضا”.
وهذا الكلام يعيدنا إلى التأكيد على أنّ التربية الروحية عند الإمام عليه السلام لا تكون بالسلبية اتجاه الدنيا فإنها مظهر عجز والعجز كما قال آفة.
القناعة:
يرتبط الزهد بالقناعة و”القناعة مال لا ينفذ” و” كل مقتصر عليه كاف”. الزهد في الحلال و الحرام كما ذكرنا مقابل للرغبة والطمع وهما حالتان نفسيتان مقلقتان:
” من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوأ خفض الدعة، والرغبة مفتاح النصب ومطية التعب، والحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحم في الذنوب”
و “من استشعر الشغف بها- الدنيا- حتى ملأت ضميره أشجاناً لهن رقص على سويداء قلبه : هم يشغله، وغمّ يحزنه كذلك حتى يؤخذ بكظمه…”.
و القناعة المرتبطة بالزهد كذلك لا تكون ناشئة عن عجز فذلك إنما يكون ” ممن أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزيّن بلباس أهل الزهادة وليس من ذلك في مراح ولا مغدى”.
القناعة سبيل إلى راحة النفس وطمأنينتها كما مرَّ معنا، ويُعلم الإمام ابن آدم أنَّ :
” الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك، كفاك كل يوم على ما فيه، فإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهمّ فيما ليس لك. ولن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب ولن يبطئ عنك ما قدِّر لك”.
القناعة عند الإمام إذاً مدخل إلى دفع الهم عن النفس وليست عجزاً وقعوداً عن العمل.
الفقر:
لا يريد الإمام من القناعة أن توصل إلى الفقر السلبي بل إلى الفقر الإيجابي، إلى الكفاف دون أن يكون في الغنى و اليسار أية مشكلة إذا حفظ معهما حق الله وحق الناس، وتنظيم حياة الإنسان يساعد على حصولهما ومن ذلك قوله عليه السلام :” قلة العيال أحد اليسارين”.
إن التمييز بين حياة الكفاف وحياة الفقر كما ذهب إليها بعض الصُّوفية يضعنا أمام نتائج مختلفة، إذ أن الفقر عند الإمام” يخرس الفطن عن حجته” و “الفقر في الوطن غربة” و “الفقر الموت الأكبر”، وقد قال عليه السلام لإبنه :
” يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت” ” ألا وأن من البلاء الفاقة، وأشدّ من الفاقة مرض البدن، وأشدّ من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب”.
نعم لا بد للفقراء من معين من أنفسهم لكي لا يؤثر فيهم الفقر نفوراً عن الحق فلذلك قال عليه السلام:
” العفاف زينة الفقر” .
و ” ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالاً على الله”.
“فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته، أصلح الله أمر دنياه”.
هذا و إن الكفاف هو الاقتصار على الحاجة والقناعة بالكفاف التي أشار إليها بقوله عليه السلام” كل مُقْتَصَرٌ عليه كافٍ”.
من صفات المؤمنين حقاً أولئك الذين قال فيهم:” طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله”، وهي الصفات التي وصف بها خباب بن الأرت وزاده عليها ” وعاش مجاهداً”.
التوكل والعبادة والعمل:
هنا نصل إلى واحدة من أخطر المفردات التي أساء فيها قوم فصاروا منها إلى التواكل وترك العمل ولننظر ماذا يقول الإمام فيه:
إن التوكل على الله وحسن الظن به والثقة بقضائه لا تكفي العبد عن العبادة والعمل، وقد أجاب رسول الله لمَّا قيل له:” أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً”.
وهذه العبادة وهذا العمل لا يكونان على أتم صورهما إلا إذا وافقا شرع الله لنا فيما ورد إلينا من الطرق الصحيحة عن رسول الله وأهل بيته.
” إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها”.
“طوبى لمن ذل في نفسه وطاب كسبه وصلحت سريرته وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة ولم ينسب إلى البدعة”.
“من قصَّر في العمل ابتلي بالهمّ ولا حاجة لله في من ليس لله في ماله ونفسه نصيب”.
” للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه وساعة يروم معاشه، وساعة يخلي بين نفسه و بين لذتها فيما يحلّ ويجمل، وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مَرَمَّةٌ لمعاش، أو خطوة في معاد أو لذة في غير محرّم”.
إن ما ذهب إليه البعض من تعذيب النفس والجسد عمل غير مجدي:” فكم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء حبذا نوم الأكياس وإفطارهم”.
وفي العبادة :” قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه” و ” إذا أضرَّت النوافل بالفرائض فاتركوها”.
الشجاعة والفتوة:
ويستمر منهج الإمام في التربية الروحية للإنسان حتى نصل إلى الفتوة والشجاعة التي لا تنفصل عما سلف مما يجب أن تتحلى به نفس المسلم ولنأخذ بعضاً مما ذكره في هذا المجال:
” البخل عار والجبن منقصة”.
“رضي بالذل من كشف عن ضرّه وهانت عليه نفسه من أمَّر عليها لسانه”.
” الاحتمال قبر العيوب”.
“قرنت الهيبة بالخيبة ، إن قدر الرجل على قدر همته وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته”.
” الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار”.
“لا يعدو الصبور الظفر وإن طال به الزمان”.
“من أحدّ سنان الغضب لله قويَ على قتل أشداء الباطل”.
“إذا هبتَ أمراً فقع فيه ، فإن شدة توقّيه أعظم مما تخاف منه”.
” لا تدعونَّ إلى مبارزة، وإن دُعيت فأجِب فإن الداعي إليها باغ و الباغي مصروع”.
“أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم و برئ ومن أنكره بلسانه فقد أجر ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونوَّر في قلبه اليقين”.
“أول ما تغلبون عليه الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم ثم بقلوبكم فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً قُلب فجُعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه”.
وإذا أردنا أن نتعرف إلى فتوته عليه السلام وشجاعته ليكون أسوة بعد رسول الله فلننظر إلى قوله:” والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه“. “ وَالله لا أكُونُ كَالضبع تنام على طول اللدم، حتى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها، ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا، حتى يأتي علي يومي.”
“والله إن امرءاً يمكِّن عدوه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانج صدره. أنت فكن ذاك إن شئت فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والأقدام ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء”. “والله ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ”. وقال في قوم:” وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الفشل ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر”.
“اغزوهم قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا”.
” قد استطعموكم القتال فأَقِرُّوا على مذلة وتأخير محلة أو روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء فالموت في حياتكم مقهورين و الحياة في موتكم قاهرين”.
أما الموت عنده فهو غير مخوف لأن “عَليَّ من الله جنة حصينة فإذا جاء يومي انفرجت عني وأسلمتني فحينئذ لا يطيش السهم ولا يبرأ الكلم” كما قال عندما خوّفوه من الاغتيال، بل إن الموت غيظاً من عمل الظالمين ممدوح عنده كما قال:” فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً”.
آداب العشرة:
للمؤمن صفات يجب أن يتحلى بها في نفسه، وأن لا يتصف بأخرى، ومنها ما يتعلق بالعشرة مع الناس:
“إذا كان في رجل خلة رائقة فانتظروا أخواتها”.
“خالطوا الناس مخالطة ، إن متّم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم”.
“البخل جامع لمساوئ العيوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء”.
“الحلم و الأناة توأمان ينتجهما علو الهمة”.
“الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، وألاّ يكون في حديثك فضل من عملك وأن تتقي الله في حديث غيرك”.
“من كرمت عليه نفسه، هانت عليه شهواته”.
“ما مزح امرؤ مزحة إلا مُجَّ من عقله مجّة”.
“المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً وأذلّ شيء نفساً، يكره الرفعة ويشنأ السمعة ، طويل غمّه ، بعيد همّه ، كثير صمته ، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته ، صنين بخلته”.
“من الخَرْق المعالجة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة”.
” اللسان سبع إن خلّي عنه عقر”.
وقيل له صف لنا العاقل فقال عليه السلام :” هو الذي يضع الشيء مواضعه، فقيل: صف لنا الجاهل، قال :قد فعلت”.
“آلة الرياسة سعة الصدر”.
“متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن الانتقام فيقال لي لو صبرت؟ أم حين أقدر عليه فيقال لي لو عفوت؟”.
“من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء إليه بالظن”.
“فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها”.
“السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم”.
“أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان وأعجز منه من ضيَّع من ظفر به منهم”.
“صدر العاقل صندوق سرّه، والبشاشة حبالة المودة والاحتمال قبر العيوب”.
“أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده يرفعه”.
“من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب”.
“إذا حييت بتحية فحيّ بأحسن منها، وإذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربي عليها والفضل مع ذلك للبادي”.
“لا تستحِ من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه”.
“لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته وغيبته ووفاته”.
“عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه”.
“أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما”.
“أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم”.
“الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل , والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن ، والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار له عجز”.
“ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة”.
وبعد، فهذا شيء من منهج علي الروحي وله في مقامات الرضا و الاستغفار والتوبة وغيرها كلام وأحوال، فمن التزم بهذا كان على التَّشيّع و السنة وإلاّ فهو خارج ومنسوب إلى البدعة ، وإن كان هذا المنهاج مما يسمى تصوّفاً فإنه التَّصوف الممدوح ، والعامل به غير مذموم في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين.
هذا المنشور نشر في مؤتمرات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s