تعقيبا على مقالة : الديــــن والدولــــة لسماحة السيد محمد حسن الأمين من مؤتمر "الواقع السياسي والاجتماعي وآفاق التغيير.

تعقيبا على مقالة : الديــــن والدولــــة لسماحة السيد محمد حسن الأمين من مؤتمر “الواقع السياسي والاجتماعي وآفاق التغيير.
هذا التعقيب أرسل إلى جريدة النهار بتاريخ 9 – 6 – 2010  و نشر اليوم 14 – 6 – 2010  بتعديل العنوان من ” تعقيبا على مقالة “إلى ” رد على السيد”  وتعديل آخر طال عبارة في المقدمة صارت “ولإعتقادي أنَّ سماحته واحد من القلائل الذين يمكنك إعتبارهم في ما يعبِّرون عنه غير ناظر إلى توظيف مقولة،”  بدلا من قولي ” ولإعتقادي أنَّ سماحته واحد من القلائل الذين يمكنك إعتبارهم في ما يعبِّرون عنه غير ناظر إلى توظيف مقوله فضلا عن أن يكون مقوله وظيفة ,ومن القلائل الذين يغووني بالنقاش مع حفظ المقام والإحترام ”  وحذف النقطة الرابعة من تلخيصي لكلام سماحته :
“- قراءة في الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان ودعوته إلى تجاوز مبدأ الطائفية السياسية، باعتباره شرطا لتحقق المواطنة، و شرطا لتحرير الدين نفسه .” واستبدالها ب “…إلخ “ .

شكرا لجريدة النهار على النشر.

النص الكامل لمقالة سماحته :

الديــــن والدولــــة
يتسع عنوان (الدين والدولة) لبحث طويل ولجوانب متعددة من البحث لا يتسع لها مجال هذه المقاربة، لذلك سوف نقتصر على مناقشة مقولة شائعة حول الاسلام والدولة. وهي القول بأن (الاسلام دين ودولة). والحق ان هذه المقولة ليست قديمة، بل هي مقولة مستحدثة شاعت ابان انهيار الدولة العثمانية وسقوطها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك كأساس نظري لمشروع استعادة الكيان الاسلامي السياسي وهو اتجاه بين عدد من الاتجاهات في الاجابة عن سؤال:
ما العمل في مواجهة الواقع الناجم عن انهيار الكيان السياسي للمسلمين؟
نشأت ثلاثة اتجاهات رئيسية في الاجابة عن هذا السؤال:
احدها اتجاه الدعوة العلمانية، وهو الاتجاه الذي أخذت فيه الدولة التركية التي كانت مركز الامبراطورية الاسلامية.
الاتجاه الثاني، وهو يناقض الاول، هو الدعوة لعودة المسلمين الى دينهم، أي الى نهضة تستند الى أحكام الاسلام وقواعده في اقامة نظام جديد للاجتماع الاسلامي يبتعد كليا من النظم العربية العلمانية.
والاتجاه الثالث، ذهب الى النزعة الانتقائية في الدعوة الى نهضة ترتكز على القواعد الاسلامية بعد اصلاحها، وعلى الاخذ من الانظمة الغربية ما لا يتنافى مع القواعد الاسلامية.
وشاع بين مفكري الاتجاه الثاني، وبعض مفكري الاتجاه الثالث، أن الاسلام ليس دينا وحسب، انما هو دين ودولة في آن. وتعاظمت هذه المقولة بعد نشوء الاحزاب الاسلامية التي نادت بالعودة الى دولة الخلافة… ولكن هذه المقولة لم تقف عند الفريق القائل بعودة الخلافة، بل تجاوزته الى القائلين باقامة دولة اسلامية ولو في صورة اخرى غير صورة الخلافة، كالجمهورية الاسلامية مثلا.
إلامَ يستند القائلون بالدولة الاسلامية؟
يستند هؤلاء الى كون الاسلام عقيدة وشريعة في آن، وأن أحكام الاسلام لا بد من تطبيقها، وأن تطبيق الشريعة، أي أحكام الاسلام، لا يمكن اتمامها الا باقامة نظام، أي دولة اسلامية تقوم على تطبيق هذه الاحكام. ونحن بدورنا نوافق على ان الاسلام عقيدة وشريعة، لكننا لا نوافق على ان الاسلام دين ودولة، فالاسلام دين ودين فحسب، حتى لو كان يتضمن الشريعة، وهو شأن الهي منزل، اما الدولة فيه فشأن بشري يقيمه المجتمع، وتظل الدولة شأنا بشريا حتى لو تضمنت قوانينها بعض الشريعة او كل الشريعة، الا أن هذا لا يخرج بها عن كونها انجازا بشريا خاضعا للتغيير والتبديل والتطور.
ان تطبيق بعض الشريعة الاسلامية، او كلها لا يخرج الدولة عن كونها صيغة بشرية لا قداسة لها، وفي أحسن الحالات فانها لا تسمى دولة اسلامية، أي دينية، ولكن تمكن تسميتها بدولة المسلمين.

والدولة التي تتضمن بالضرورة مفهوم السلطة لا بد لها من شرعية، وتطبيق بعض الاحكام الاسلامية او كلها لا يمنح الدولة، أي السلطة، شرعيتها، وانما تأتي شرعية الدولة من الاتفاق عليها، أي من اختيار المجتمع لها.
فكون الدين مصدرا من مصادر التشريع في الدولة لا يخرج بالدولة عن كونها مدنية وليست دينية. نعم تخرج الدولة عن كونها مدنية عندما تتولى أمور الحكم والتشريع فيها طبقة من المجتمع تدعي لنفسها سلطة الهية دينية خارج ارادة المجتمع، ومثل هذه الدولة او السلطة عرفتها المجتمعات البشرية وسميت السلطة باسم الحق الالهي.
اننا ننفي أن تكون في الاسلام سلطة لأحد على أحد باسم الحق الالهي، فالناس سواسية في الحقوق والواجبات. ولكي يكون بعضهم في موقع السلطة وبعضهم في موقع الرعية فهذا أمر يحدده العقد الاجتماعي ما بين طرفين، أحدهما المجتمع والثاني أفراد من هذا المجتمع يتولون شأن السلطة فيه بناء على وكالة من الطرف الاول. فالسلطة لا يمكن ان تكون الا منتخبة ومحددة الصلاحيات.
ما بين سلطتين، احداهما اسلامية (بمعنى انها تطبق أحكام الاسلام)، ولكنها جاءت بواسطة انقلاب عسكري، والثانية مدنية غير دينية ولكنها جاءت من طريق الانتخاب الحر، أيهما تكون السلطة الشرعية؟
الجواب ان الثانية هي السلطة الشرعية الواجبة الطاعة، أما السلطة الاولى، ولو كانت اسلامية، فلا شرعية لها ولا تجب طاعتها.
ذلك لأن السلطة الثانية تتضمن العقد الضروري ما بين الحاكم والمحكوم، بينما الاولى تفتقد هذا العقد، وبالتالي لا شرعية لها.
ان من بين أهم ما ينقص المسلمين لكي يتقدموا كما تقدم الغرب هي شرعية السلطة لا اسلاميتها. فعندما تكون السلطة منتخبة بالوسائل المشروعة تكون اذذاك تعبيراً عن المحتوى الروحي والثقافي للأمة، بما فيه المحتوى الاسلامي بوصفه مكونا رئيسيا لمحتوى الامة الثقافي والروحي.
ان تاريخنا العربي والاسلامي لم تكن تنقصه انظمة الحكم الاسلامي، ولكن كانت السلطة فيه تفتقر الى الشرعية، اي الى كونها سلطة منتخبة. وعليه فان على دعاة الاصلاح في الاجتماع السياسي العربي والاسلامي الدعوة الى اقامة انظمة سياسية شرعية، اي منتخبة من الشعوب، اما محتوى هذه الانظمة من الزاوية العقائدية بين ان تكون اسلامية او علمانية فانه شأن آخر تحدده ارادة الشعوب.
وأما الدعوة الى اقامة الدولة الدينية فهي دعوة الى الدولة المستبدة، والاستبداد الديني هو أخطر أنواع الاستبداد لأنه يضفي على هذا الاستبداد قداسة الدين نفسه، فيصبح الخروج على سياسة السلطة خروجا على الدين نفسه، وهذا ما لا يستقيم مع بشرية السلطة وكون سياستها عرضة للخطأ والصواب.
بالتطرق الى الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان فنحن في نظامنا السياسي لسنا في دولة دينية، كما ان نظامنا السياسي ليس مدنيا بالكامل، انه نظام علماني طائفي في آن واحد.
ان نظامنا السياسي لا يحتمل فكرة الدولة الدينية، حتى في حدها المخفف أي دولة مسلمين أو مسيحيين، بل لا بد من ان تكون الدولة دولة مسلمين ومسيحيين معا، اي دولة لا دين لها، وان يسود فيها نظام المواطنة. ولهذا يستدعي السعي التدريجي لالغاء الطائفية كما ورد في دستور الطائف بحيث يأتي الغاء الطائفية بجرعات محددة تمكن اللبنانيين من تجاوزها من دون الاصطدام بها.
وأخيرا أود أن أقرر ان التنوع الديني في لبنان يشكل مصدر غنى حقيقي للاجتماع السياسي في لبنان، ولكننا، رغم ذلك، نكاد لا نلمس الآثار الايجابية لهذا التنوع والغنى بالقدر الذي نطمح اليه، لا بل يمكن القول ان هذا التنوع كان مصدرا للخوف بسبب الانتظام الطائفي والعلاقة التنافسية ما بين الطوائف.
ان تجاوز الطائفية السياسية، عدا كونه شرطا لتحقق المواطنة، فانه شرط لتحرير الدين نفسه، بحيث يغدو الاسلام – وتغدو المسيحية – دينا ملهما بهدف السمو بالحياة المشتركة بما ينسجم مع المضامين الروحية والثقافية للأديان السماوية.
(•) من مؤتمر “الواقع السياسي والاجتماعي وآفاق التغيير”.
بقلم السيد محمد حسن الأمين

التعقيب :

قرأت في جريدة النهار 7/6/2010 مقالة سماحة السيد محمد حسن الأمين في مؤتمر”الواقع السياسي والاجتماعي وآفاق التغيير”. وهي تتناول مسائل
– متابعة تاريخية لمقولة “الإسلام دين ودولة” .
– فقدان الشرعية للسلطات التي حكمت عالمنا العربي والإسلامي.
– إعتبار الدعوة الى اقامة الدولة الدينية دعوة الى الدولة المستبدة .
– قراءة في الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان ودعوته إلى تجاوز مبدأ الطائفية السياسية، باعتباره شرطا لتحقق المواطنة، و شرطا لتحرير الدين نفسه .
ولإعتقادي أنَّ سماحته واحد من القلائل الذين يمكنك إعتبارهم في ما يعبِّرون عنه غير ناظر إلى توظيف مقوله فضلا عن أن يكون مقوله وظيفة ,ومن القلائل الذين يغووني بالنقاش مع حفظ المقام والإحترام فإنني أجد نفسي مستغنياً في مناقشته ومستفيدا, جاعلا كلامه بين مزدوجين:
في المسألة الأولى :
قال : “ان هذه المقولة ليست قديمة، بل هي مقولة مستحدثة شاعت ابان انهيار الدولة العثمانية وسقوطها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك كأساس نظري لمشروع استعادة الكيان الاسلامي السياسي وهو اتجاه بين عدد من الاتجاهات في الاجابة عن سؤال:
ما العمل في مواجهة الواقع الناجم عن انهيار الكيان السياسي للمسلمين؟”
أولا : إن كون المقولة حديثة لايعني شيئا في مناقشتها إلا ان تريد جعلها (حداثة المقولة) بديهة في ذهن القارئ يرد بها الشبهة التي يصورها البعض عن وجود الدولة ونظام الحكم في الإسلام وعدمه , وفي هذا إغراء بالجهل للقراء وحاشاك .
ثانيا : إنَّ ما ذهبت إليه من جعل “اتجاه الدعوة العلمانية، وهو الاتجاه الذي أخذت فيه الدولة التركية التي كانت مركز الامبراطورية الاسلامية”. جوابا على سؤال “ما العمل في مواجهة الواقع الناجم عن انهيار الكيان السياسي للمسلمين؟” سهو لإن صناعة الدولة العلمانية في تركيا وصناَّعها سبب إسقاط الكيان السياسي للمسلمين وليس جوابا منهم .
ثالثا : إنَّ الروح الوحدوية التي تملكها – وأعمل بها – لا يمكن لها أن تسمح بتجاوز الروح العلمية فالمناقشة باستبعاد الإتجاه الشيعي ( الإمامي كما الزيدي) لا يستقيم معها بحث , نعم القضية كما طرحتها هي قضية الإتجاه السني الذي لايزال يعاني من تعدد في الرؤى حول الدولة الإسلامية لتبنيه أكثر من رأي في قضية كلامية هي قضية الإمامة وتأثيرها في المذهب السياسي إلا أن تستبعد بنفسك نظام الإمامة . فحتى أطروحة الإمام شمس الدين رحمه الله “ولاية الأمة” أو أطروحة آية الله العظمى السيد فضل الله “دولة الإنسان” وهي أقرب إلى مشربك لم تكن ناظرة إلى الماضي بل هي في صدد إيجاد مشترك إنساني بين المسلمين في غياب الإمام المهدي من جهة والحاجة إلى الدولة من جهة أخرى ومقابل بعض الفقهاء الذين اتجهوا إلى إهمال شأن الناس نتيجة ما تعرفه من آراء, فضلا عن كونها مقابل أطروحة ولاية الفقيه .
وإنَّ قولك “نوافق على ان الاسلام عقيدة وشريعة، لكننا لا نوافق على ان الاسلام دين ودولة، فالاسلام دين ودين فحسب، حتى لو كان يتضمن الشريعة، وهو شأن الهي منزل، اما الدولة فيه فشأن بشري يقيمه المجتمع، وتظل الدولة شأنا بشريا حتى لو تضمنت قوانينها بعض الشريعة او كل الشريعة، الا أن هذا لا يخرج بها عن كونها انجازا بشريا خاضعا للتغيير والتبديل والتطور.
ان تطبيق بعض الشريعة الاسلامية، او كلها لا يخرج الدولة عن كونها صيغة بشرية لا قداسة لها، وفي أحسن الحالات فانها لا تسمى دولة اسلامية، أي دينية، ولكن تمكن تسميتها بدولة المسلمين.”
هو محاولة للتخلص من المقابلة بين الدولة المدنية والدولة الدينية بالمعنى الخاص الذي وجد عند بعض المسلمين أو بالمعنى الخاص عند المسيحيين الغربيين خصوصا والذين لجأوا إلى العلمنة وحاصروا الدين ولكنني أسألك أين هم دعاة الدولة الدينية بهذا المعنى بين المسلمين إلا إذا أعدتني إلى نغمة الخوف من النوايا وهو خوف مبرر أيضا من الدولة المدنية طالما إننا نتحدث عن الإستبداد كفعل بشري.
وبكل الأحوال فإن النقاش في الساحة السنية بهذا الخصوص قد عبرت عنه محاورة الدكتور جابر عصفور في مقالته :”الاسلام دين ودولة مساءلة شعار” : http://www.islamonline.net/arabic/arts/2007/08/03.pdf
والدكتور محمد سليم العوا في مقالته : “الاسلام دين ودولة مساءلة مقال”:
http://www.islamonline.net/arabic/arts/2007/08/04.pdf
على صفحات مجلة وجهات نظر في العددين (101و102) في يونيو ويوليو 2007، وكفانا الدكتور العوا مؤونة المقابلة الظالمة بين الدولة الدينية والدولة المدنية بالموافقة على أن الدولة الإسلامية هي بطبيعتها دولة مدنية لأنها دولة قانون , وهي كذلك عند الشيعة بغياب المعصوم لكن يبقى إختلافنا معك حول المرجعية الفكرية لهذه الدولة وهي النقطة الجوهرية التي استدعت السؤال عن الشرعية في الفرضيتين كما تقدمت بهما بعد نفي سلطنة احد على أحد فإنهما أمران يحتاجان إلى تقييد وتدقيق قلت:
“اننا ننفي أن تكون في الاسلام سلطة لأحد على أحد باسم الحق الالهي، فالناس سواسية في الحقوق والواجبات. ولكي يكون بعضهم في موقع السلطة وبعضهم في موقع الرعية فهذا أمر يحدده العقد الاجتماعي ما بين طرفين، أحدهما المجتمع والثاني أفراد من هذا المجتمع يتولون شأن السلطة فيه بناء على وكالة من الطرف الاول. فالسلطة لا يمكن ان تكون الا منتخبة ومحددة الصلاحيات.
ما بين سلطتين، احداهما اسلامية (بمعنى انها تطبق أحكام الاسلام)، ولكنها جاءت بواسطة انقلاب عسكري، والثانية مدنية غير دينية ولكنها جاءت من طريق الانتخاب الحر، أيهما تكون السلطة الشرعية؟
الجواب ان الثانية هي السلطة الشرعية الواجبة الطاعة، أما السلطة الاولى، ولو كانت اسلامية، فلا شرعية لها ولا تجب طاعتها.
ذلك لأن السلطة الثانية تتضمن العقد الضروري ما بين الحاكم والمحكوم، بينما الاولى تفتقد هذا العقد، وبالتالي لا شرعية لها.”
هذا الإشكال يتجه إلى من إدَّعى بعد الوصول إلى السلطة بالشورى, عدم جواز الخروج منها بالإستقالة أو الإقالة , وإلى من قال بشرعية إمارة الغلبة ولم يجوِّز الخروج على الحاكم بغير ما أنزل الله وبالتالي فإنك ما زلت تناقش في ساحة واحدة وتعمم النتائج على ساحات أخرى وهو كما ترى.
أضف إلى ذلك إن الواقع السياسي القائم اليوم في عالمنا الإسلامي هو عموما سلطة أمر واقع فهل ثمة مجال للمغامرة بإعلان فقدان هذه الأنظمة للشرعية دون الوقوع في فخ الدعوة لإسقاطها والإصطفاف إلى جانب طالبان والقاعدة؟ أو إلى جانب أميركا والغرب؟
وكيف يمكنك تفسير وقوفك مدافعا عن رمز وعن نظام فاقد للشرعية سابقا وعن نظام استبدادي لاحقا دون غيرهما من الأنظمة الفاقدة للشرعية ؟
أقول هذا الكلام لأن وصفك الدولة الدينية بالمستبدة بلا استثناء فيه لا لما وقع ولا لما يقع يحمل تناقضا يصعب حله ويصنفك في خانة الذين يقولون بأن دولة النبي صلى الله عليه وآله نفسها لم تكن دولة دينية ليدفعوا عنها الاستبدادية ثم ليقعوا في المحظور وهو أنَّ دولة القانون هي الدولة العادلة فيرفضون وترفض معهم الدعوة إلى الدولة الدينية بوصفك لها أنها الدولة التي تدعي الحق الإلهي بالسلطة و ترفضون حتى دولة تستند إلى التشريع الإسلامي وهو ما يبدوا ظاهرا من نصك على إستبعاد طبقة تحتكر التشريع فمنذ متى وجدتم في الإسلام أو في غيره سلطة تشريعية للشعب , في كل الأمم يفوض التشريع إلى اهله أما طريقة إختيارهم ومرجعياته فهي شان آخر وهي محل البحث في أنها قضية خلافية بين السنة والشيعة وداخل الإتجاهين والبحث عن مخرج مشترك هو المطلوب لا البحث عن مهرب مشترك .
ثم يا سيدنا وبكل بساطة إن الوصف بالإستبداد يقع على الفعل البشري ولا معنى حينئذ لربطه حصرا بالدولة الدينية بدعوى التقديس للسلطان الإلهي المدَّعى لأنَّه بهذا المعنى أيضا خارج عن ساحة التشيع لأنَّهم لايقولون بالتصويب في أقوال المجتهدين بل لا معنى لربط فعل التقديس بالمتدينين خصوصا فإن التقديس للعلمانية أدَّى ويؤدي إلى أكثر من الإستبداد وهو شأن داخلي في الدولة, فقد شاهدنا التقديس للِّيبرالية الذي أحيا الإستعمار المباشر كما ترى في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها…
ثم أية قيمة ومعنى لإختيار الناس وقد رأيت كما رأينا الإنقضاض على خيارالناس في الجزائر بدعوى انه لا تصح نتائج انتخابات ديمقراطية -إذا ما تذكر معي جيداً – ولا تصير شرعية إذا ادت إلى خوف على الديمقراطية فحوكم الإتجاه الإسلامي وحكم عليه إفتراضيا وكانت دماء الجزائريين رخيصة فدى لخوف فلان وفلان من إمكانية الإنقضاض على الديمقراطية بالديمقراطية.
أما ما أعرفه عنك من تقديس للحرية فتراه قد غاب عن نصك والحال أنه كان الأكثر إلحاحا في جعله مقابلا للاستبداد .
رابعا , وقوفا عند قولك : “ان تجاوز الطائفية السياسية، عدا كونه شرطا لتحقق المواطنة، فانه شرط لتحرير الدين نفسه، بحيث يغدو الاسلام – وتغدو المسيحية – دينا ملهما بهدف السمو بالحياة المشتركة بما ينسجم مع المضامين الروحية والثقافية للأديان السماوية”
فإنَّه لا يعتبر حلا واقعيا لأزمتنا “في لبنان فنحن في نظامنا السياسي لسنا في دولة دينية، كما ان نظامنا السياسي ليس مدنيا بالكامل، انه نظام علماني طائفي في آن واحد.
ان نظامنا السياسي لا يحتمل فكرة الدولة الدينية، حتى في حدها المخفف أي دولة مسلمين أو مسيحيين”
ولذلك كان الحل في الديمقراطية التوافقية منذ الانتداب والدستور الأول وكانت بعض الطوائف المعترضة اليوم عبر بعض رموزها راضية به أو على الأقل ساكتة عنه ما دام يؤمن لها مصالحها , حتى إذا انقلبت الموازين وبدأت تخسر لصالح طوائف بل طائفة محددة يجري الإنقلاب على الديمقراطية التوافقية وترفض الديمقراطية العددية والأكثرية ويتمسك بالنظام الطائفي مع دعوات إلى تهجينه بما يفقد حقوقا مستجدة لطوائف ويحفظ بل يؤمن حقوقا جديدة لطوائف لم تعد في مواقعها السابقة.
وأستغرب منك أن تردد النغمة الرتيبة “السعي التدريجي لالغاء الطائفية كما ورد في دستور الطائف بحيث يأتي الغاء الطائفية بجرعات محددة تمكن اللبنانيين من تجاوزها من دون الاصطدام بها”.
او بتعبير آخر إلغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص….
يا سيدي إنَّ “السمو بالحياة المشتركة بما ينسجم مع المضامين الروحية والثقافية للأديان السماوية” لايتعارض مع بناء الدولة ولكنه في نفس الوقت لا يقيمها, وإذا إتفقنا على أنَّ الأصلح للبنان هو دولة مواطنة وأنَّ الأديان لاتتناقض معها وأنَّ الناس تحتاجها , فلماذا التاخير ولمصلحة من ؟
وإذا كان رجال الدين معها والسياسيون معها , والسلطة معها والمعارضة معها فمن هو المستبد الذي يمنعها من القيام؟
الشيخ علي حسن خازم بيروت في 7/6/2010

هذا المنشور نشر في ردود على مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s