تعقيب على "ثلاثية" جهاد الزين – 2 – : تحريرالمقالة وعن الدولة العثمانية والمذهب الحنفي والتعددية وسؤال أين الهندوس؟

تعقيب على “ثلاثية” جهاد الزين – 2:
تحريرالمقالة وعن الدولة العثمانية والمذهب الحنفي والتعددية وسؤال أين الهندوس؟
بقلم الشيخ علي حسن خازم

مقدمة لا بد منها :

يعرف الأستاذ جهاد الزين , وتربطني به[1] علاقة قديمة , أنني مقٌّلٌ في أكثر الأمور والكتابة منها , ولكنني مستغنٍ خصوصا بالحوار في المسائل التي تقدم جديدا يثير الفكر .

ومن لم يقرأ مقالته على هذا الضؤ لن يعرف سر إستمراري في تعقبها ومتابعة تفاصيلها : إنها تقدم فعلا جديدا حقيقا بالإهتمام فهو قد ” وضع ” , أو أنه كما الكشافة المُميَّزون قد قرأ ” خارطة طريق ” لقضية شكلت بالمعالجة القديمة التي أَعلنَ عقمها , بل وفاتها وستشكل بالمعالجة الجديدة التي دعا إليها تحديا حقيقيا على المستويين الفكري والسياسي يمشي وفقها لاهوتيون أو دينيون وسياسيون , ففي مقالته أطلق جهاد الزين الجواب على مسألة أي دولة يريد ؟ وهو سؤال لا أنه مشروع فحسب بل إنه مطروح فعلا وقد أجابت عليه نخب وسياسيون وقامت على أساسه دول , وحاولت نخب وقوى تطبيق جوابها فلم تفلح في أصل القيام أو أنها سقطت في التطبيق , لكن السؤال الآخر الذي يتجاوز جهاد الزين مناقشته هو : أي دولة هي الأصلح ؟ وهذا السؤال له ما بعده…

وأما وقد أذن لي بنشرمتابعة التعقيب على مقالته[2] سأسمح لنفسي في هذا القسم الثاني أيضا بأمور ثلاثة :

أحدها , وفق اللغة الفقهية – تحرير المطلب أو تهذيب المتن , ما يعني إعادة تقديم النص بالإقتصار على المراد الأساسي للكاتب وبعبارته نفسها دون ما كان إستدلالا لرؤيته أو شرحا أو تفريعا أو تمثيلا, لتكون المسألة الأساسية حاضرة في ذهن القارئ.

الثاني , مقاربة سريعة لفكرته عن الدولة العثمانية والمذهب الحنفي التي شكلت أساسا لإختياره شخصية دينية سنية تركية يوظفها في مشروعه , او بتعبيره : يجعلها رافدا في اعادة الاعتبار لفكرة الدولة غير الدينية , هي شخصية الشيخ فتح الله غولن .

الثالث سؤال أين الهندوس ؟

على أنني أستميحه عذري بتأجيل مقاربة العناوين الأساسية التي وردت في مقالته إلى رسالة أخيرة .

الأمر الأول , تحرير المقالة :

يمكن الإقتصارعلى النص التالي من المقالة الذي يؤدي مراد الكاتب منها وفيه : توصيف الواقع , وتحديد الهدف أو الخيار وتعيين الوظيفة والسياسات التي يستفاد منها في الوصول إلى الهدف . فتقرأ كالتالي :

البابا بينيديكتوس، الإمام فتح الله غولن ، السيد علي السيستاني – التوجهات الدينية الثلاثة لدعم “الدولة غير الدينية”

المشهد غير واضح حتى لو كان حقيقياً وفاعلاً. بل حتى انه غير منظور بما هو مساحة مشتركة ممكنة، بل قائمة، بين مواقع – تيارات ثلاثة يمكن اعتبارها الآن، بل جعلها، قوة دفع فكرية وبالتالي سياسية، لبلورة شخصية “الدولة غير الدينية”، الشخصية التي تنطوي في مضمونها على اتجاه أو بدء اتجاه (تاريخي؟) معاكس للمضمون الاصولي الذي سيطر على رؤية “الدولة” باعتبارها دولة نازعة نحو حكم ديني، وانتج في العالم المسلم، دولاً تحت الحكم الديني المباشر، ومعها سيطرة متزايدة وقائمة للحركات السياسية الاصولية على الحيوات السياسية في العالم المسلم وفي صعود أصولي أكيد في العديد من البيئات الغربية وتحديداً في أوروبا والولايات المتحدة الاميركية.

هل ما نرى مع مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، هو إمكان ولادة متعددة الروافد لتيار معاكس، يتحول لاحقاً الى نواة “عد عكسي” للسيطرة الاصولية الفكرية – السياسية باتجاه تعزيز فكرة – ونماذج – الدولة غير الدينية؟

إذا كانت التجربة التاريخية، منذ تأسست “الحداثة الاوروبية” على خط متواصل من المسافة بين الدولة والدين انتجت الفكرة العلمانية، هي التي تجعل الفاتيكان جاهزا لاستقبال تلقائي لأي “علمانية ايجابية” تريد صيغة “تصالح” ما مع الكنيسة دون التخلي عن البنية العلمانية للدول الاوروبية، فان التجربة التاريخية للدولة العثمانية جعلت المذهب الحنفي الأكثر قابلية فقهية تكوينية لاستيعاب التعدد الديني والمذهبي… بينما تظهر الوقائع المعاصرة، ان تقاليد النجف كمركز المذهب الجعفري في الاستقلالية الكاملة عن الدولة، قد جعلتها مهيأة على اساس متطلبات الوضع العراقي الجديد لدعم بل حماية نموذج تعددي لدولة مدنية متدينة ولكن غير دينية في العمق !

من هذه القابليات الثلاث يمكن ان يولد في محيطنا اليوم الامكان الحيوي لتيار الدولة التعددية.

ورموزهذه الامكانية، التي يمكن ان تنضم اليها قابليات اخرى فرعية او سياسية، في الأفق الحالي المنظور،

…نجد الاساس لهذه الامكانية في ثلاث شخصيات رئيسية جداً هم ثلاثة حالياً:

البابا بينيديكتوس – الامام فتح الله غولن – السيدعلي السيستاني.

انها المرحلة التالية بدون لبس:

مرحلة دور أو أدوار التيارات المتدينة في عملية إعادة ما لفصل الدين عن الدولة.

“الدينيون الجدد” هم الذين يستطيعون في ظل الاكتساح الاصولي اعادة الاعتبار لفكرة الدولة غير الدينية.

هذا ليس زمن غير الدينيين في صناعة العلمانية الجديدة. هذا زمن الدينيين في اعادة “علمنة” الحياة السياسية ومفاهيمها.

… وتأتينا الروافد من الفاتيكان وتركيا والعراق.

الأمر الثاني , عن الدولة العثمانية والمذهب الحنفي والتعددية :

قال: ” ان التجربة التاريخية للدولة العثمانية جعلت المذهب الحنفي الأكثر قابلية فقهية تكوينية لاستيعاب التعدد الديني والمذهبي…”

يبدوا أن الأستاذ جهاد الزين في خلاصة حكمه هذه – وأقدر ان المقالة الصحفية تضيق عن حمل حيثياته – قد خلط محقاً بين “صوفية” وبين “حنفية” المرجعية الفكرية لمبدأ التعددية في الدولة العثمانية , وهو مبدأ يمكن ملاحظته في الدولة العثماتية المتأخرة. لكن ووفق ما أميل إليه بحسب الوقائع فإنه كان ناشئا عن أمرين : حاجة السلطان الداخلية واستجابة للضغوط الخارجية . وعلى كلا الإحتمالين فإن ميدان التطبيق لهذا المبدأ لا يشجع على إعتماده أساسا لرفد فكرة الدولة التعددية في القرنين الحالي و القادم .

أما الروح الصوفية التي لم تُقبَلْ فقط , بل إنها سمحت بإستخدام العلويين مثلا في جهاز الحماية الخاص بالسلطان في نفس تركيا , وأكثر من ذلك إتبع بعض سلاطين بني عثمان الطريقة الصوفية البكتاشية وهي طريقة صوفية علوية (شهدت تركيا مؤخراً مؤتمرا عالميا عن مؤسسها حاج بكتاش ولي في شهر أيار الماضي) , فإن هذه الروح تتناقض مع ما كانت مجازرهذه الدولة ترتكب بحقهم – العلويين – وبحق الشيعة الإثنا عشرية من قرية انصار في جبل عامل إلى حلب مرورا بالساحل والجبل العلوي السوري فضلا عن اليهود والمسيحيين , ولو راجع كتاب جده المرحوم الشيخ علي الزين ” للبحث عن تاريخنا في لبنان ” لقرأ مثلا قوله في الصفحة 501 من الطبعة الأولى 1973 تحت عنوان إشتراك المتاولة في الثورة على ولاة الأتراك :

“…وإذا ما استغل الثوار فرصة إنشغال الدولة بالحرب مع غيرها من الدول فذلك لم يكن لأجل الإنفصال عن الدولة او الإنضمام إلى غيرها من الدول المعادية كما تخيل بعض المؤرخين , وإنما كان إستغلالهم لقسوة الظروف كي يحرجوا طغاة العثمانيين ويجبروهم على الإعتراف لهم بما يطمحون إليه من الحكم والنفوذ الذي يدغدغ أحلامهم ويطمئن قلوبهم ويصونهم من غطرسة البشوات واستبدادهم .”.

ثم يحيل الشيخ علي الزين القارئ على كتاب علي بك الكبير لمحمد رفعت رمضان في التفاصيل.

أقول هذا فضلا عما في كتاب الشيخ من تفاصيل لوقائع بعض المجازر المشار إليها آنفا .

وهكذا , يصير مشروعاً السؤال من يضمن لنا أن التعددية التي يتغنَّى بها غولن منطلقا من “إسلام تعليمي” كما اسميته وصوفية عالمية قال عنها أرنست خوري إنها وصلت ” إلى حدّ أنه قد لا يجد القارئ في بعض كتاباته إلا ذكراً واحداً أو اثنين لكلمة «الله» أو «القرآن» أو النبي محمّد.” . وإلى حد أن تخصص حكومة ولاية هيوستن يوم 21 من شباط من كل عام للاحتفال به كـ«يوم مؤسسة غولن», ليست إلا كالتعددية الناشئة من صوفية بعض سلاطين بني عثمان؟؟؟

وأما في العلاقة بين الدولة العثمانية وبين المذهب الحنفي , فالصحيح هو أن الخدمات بينهما كانت كبيرة ففي الوقت الذي أمَّن المذهب الحنفي للعنصر التركي شرعية الخلافة حيث لم ير الأحناف تقديم العنصر العربي شرطا في الخليفة كما عند المذاهب الأخرى وفقا للحديث النبوي الأئمة من قريش , فمما لاينكر أن إعتماد السلطنة على المذهب الحنفي أعطاه فرصة تطويره ليكون دستورا وقضاء ومرجعية كاملة لدولة فيما حرمت من هذه الفرصة بقية المذاهب , وما زالت الأحوال الشخصية وكثير من القوانين في بلادنا تستند إلى “قانون العائلة العثماني” أو “مجلة الأحكام العدلية” .

يبقى أن هذا المُدَّعى من ” ان التجربة التاريخية للدولة العثمانية جعلت المذهب الحنفي الأكثر قابلية فقهية تكوينية لاستيعاب التعدد الديني والمذهبي…” إن صح فإنما كان على مستوى إضفاء شرعية على ما تحتاجه أفعال السلطان , التي كانت كما قلت إما إستجابة لحاجة داخلية او إستجابة لضغوط خارجية , وفي موارد دون أخرى , وقد نقضه الواقع على مستويي القابلية والإستيعاب مع الدولة العثمانية – ولا أقصد التعرض للمذهب الحنفي بذاته بعيدا عن تلازم بعض رجالاته مع الدولة -: أنظر إلى ما كتبه المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين المعاصر للدولة العثمانية في كتابه الفصول المهمة في تأليف الأمة سنة 1327 هجرية 1909 ميلادية الصفحة 143 من الطبعة السابعة 1977 عن تأثير الفقه الحنفي في قبول التعددية الذي تدعيه , وبعد المجازر التي ارتكبها العسكر العثماني بحق الشيعة في قرية نبل وغيرها من نواحي حلب إستنادا إلى فتوى الشيخ نوح الحنفي :

“… وقد اقتصرنا من ذلك (القول بتكفير الشيعة ) على ما وجدناه في باب الردة و التعزير من (كتاب) الفتاوى الحامدية وتنقيحها بإمضاء الشيخ نوح الحنفي لإشتهار هذين الكتابين ورجوع من بأيديهم منصب الفتوى في المملكة( العثمانية) المحروسة إليهما.”

ودفعا لأي شبهة وتاكيدا على ارتباط الشيعة بالدولة العثمانية في اوطانهم كما تقدم عند المرحوم الشيخ علي الزين من عدم رغبتهم في نقض الولاء لها أنقل ما كتبه السيد شرف الدين في حاشية هذا الفصل التاسع :

“يعلم الناصب وغيره أن الشيعة والسنة في الخضوع للسلطان وعدمه على حد سواء , لأن من كان منهما في مملكته فهو مطيع بحكم الوجدان و العيان , ومن كان من كلا الطائفتين في ممالك الأجانب فهو ممنوع عن طاعته , واما شيعة إيران[3] فكأهل السنة في مراكش[4] وأفغان[5] فاي فرق بين الشيعة والسنة في هذا الأمر يا مسلمون؟.”

وهكذا وبعيدا عن السياسة ثم إلى صلبها ألا يجب ان يحذر بعض المأخوذين بالموقف التركي من ” عثمنته ” إلى جانب حذر بعضهم الآخر من ” صفوية ” النظام الإيراني الذي يصدعون به ؟

الأمر الثالث , سؤال أين الهندوس؟

المواقع الثلاثة التي تحدث عنها جهاد الزين بغض النظرعن الأسماء والشخصيات هي التي يشهد المنتسبون إليها من المؤمنين بالديانات السماوية ما يقال عنه حراكا فكريا وسياسيا في مسألة دينية الدولة أو تعدديتها , والمساحات الجغرافية التي يعيشون فيها هي محاور الإشتباك أو التشابك لمصالح الدول ونفوذها في القرن الحالي والقادم ربما.

لكن أكثر الأديان والمذاهب الأخرى على مستوى العالم لا علاقة لها بالمسألة مباشرة ( إما لأنها لم تقدم رؤية مستقلة في المسألة أصلا كالبوذية , أو أن أتباعها لا يشكلون ديمغرافيا داخل دولهم حجما يسمح بإستدعاء نقاشها إن كانت تملك رؤيتها الخاصة كالمسلمين في الدول الغربية , أو أن الحراك الفكري السياسي بينهم لم يبلغها في حال وجود أكثرية ديمغرافية “الإباضية ” في بعض الدول العربية مثلا ) وإن كان لها علاقة من جهة وقوع اتباعها تحت تأثير المواقف المتبناة لجهة الحرية الدينية فهو موضوع آخر يندرج في تفصيل البحث عن طبيعة ” الدولة ” .

نعم المسألة تعني اليهود أيضا وهي أكثر حدة في جانب إعتبار ” اليهودية ” قومية لا دينا فقط , وهي مدار نقاش داخلي بينهم من تجلياته “مسألة يهودية الدولة” , لذلك كان إستبعاد جهاد الزين لهم عن تركيبته مبررا حيث أن نقاشها يدور في الجزء المغتصب من العالم العربي والإسلامي وإن مقاربته – النقاش – لا تصح إلا من ” محور ” وهذا الحذر مشروع .

ونعم أيضا تتساوى مع “اليهودية” : “الهندوسية” في صورتها الجديدة المشكَّلة منذ قرن تقريبا , والتي يتبناها أكثر من حزب يدعو إلى تصفية الأقليات وتنقية الهند وإعلانها دولة هندوسية . ويواجهها علمانيون يرفضون الدولة الدينية ويديرون النقاش في المسألة إلى جانب المسلمين والمسيحيين وغيرهم . والهندوسية بهذا المعنى من حيث حجم اتباعها وحجم الهند نفسها في كل جوانبه تستحق أن تضم إلى الثلاثية .

والقول إن الهندوسية على هذه الصورة لا تعبر عن الدين نفسه الذي لايقدم فعلا تشريعا يستند إليه دعاة الدولة الدينية ,بل هي تعبير عن قومية متدينة – وهي حالة عنصرية – وينطبق أيضا على اليهودية , صحيح لكن حيث أن الواقع قد فرض حضور هذا الحراك في المجتمع الهندي قلت بإستحقاقها أن تضم إلى الثلاثية .

والسؤال موجه إلى الأستاذ جهاد الزين .


[1] وبوالده الدكتور حسن وبجده المرحوم الشيخ علي الزين أحد العلماء العامليين الأوفياء لتاريخهم والمجددين في أبحاثهم والمظلومين محليا وإقليميا .

[2] وأشدد على أنها تعقيب من التعقب لا أنها رد عليه – كما فرض على عنوان مقالة سابقة لي أحد زملائه – من حيث أنني ارى قابلية للتواصل مع الآخر المختلف بل والتوافق على مسائل ما يجعل “الرد عليه ” كما هي حاجزا لم يقبل الله به لنفسه ولا الأنبياء ولا الأولياء.كما أن اللغة تقتتضي إضافة الرد إلى “الكلام” في مثل موقفنا لا على الإنسان نفسه فيقال ترادَّا في القول .

[3] كانوا تحت النفوذ البريطاني .

[4] تحت النفوذ الفرنسي .

[5] تحت النفوذ البريطاني .

هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s