حرمة المسلم – الشيخ علي حسن خازم

حرمة المسلم – الشيخ علي حسن خازم

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

حرمة الإنسان المسلم فرع حرمة الإنسان في الإسلام,والحرمة هي من مصطلحات شبكة مفاهيم تتعلق بالإنسان كما قررها القرآن الكريم والسنة المطهرة وما استفاده منهما العلماء الربانيون.
ينطلق مفهوم الإنسان في الإسلام من نقطة الخلق الإلهي لهذا الكائن مع علة الإنشاء حتى ينتهي مع علة الغاية التي أراد المولى عز وجل وصوله إليها , ومابين هاتين النقطتين عناوين كثيرة وجهت إليها الأحكام الإلهية.
والحرمة ما وجب القيام به من حقوق الله وحرم التفريط به.فإذا أضيفت إلى الإنسان مطلقا أو إلى الإنسان المسلم صارت بمعنى ما وجب القيام به من حقوق أوجبها الله له وحرم التفريط بها, وما كلفنا به من مراعاة الانتهاء عن ما حرم علينا تجاهه أيضا.
وهذه السلسة من الواجبات والمحرمات بين الإنسان والإنسان مطلقا وبين الإنسان المسلم والإنسان عامة أو المسلم خاصة هي ما عبرنا عنها بشبكة المفاهيم التي يتركب منها ما يسهم في إيضاح مفهوم الإنسان في الإسلام من جانبه الحقوقي أو الأخلاقي.
قد ينصرف الذهن بحسب الاعتياد إلى استحضار عناوين مجموعة الممنوعات إذا ما ذكرنا “الحرمة” , وذلك بسبب الحضور القوي لتعظيم الشارع المقدس آثار ارتكاب بعض المحرمات :الذنوب :الجرائم بحق الإنسان كما في قوله تعالى عن الغيبة أو الظن السيئ والتجسس مثلا :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ[1] .
أو القتل كما في مثال آخر:
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ[2] .
وأيضا مما يقوي هذا الانصراف الذهني كون التقصير بترك أداء الواجبات نحو الإنسان الآخر- مسلما كان أو غير مسلم- يزيد في مجموع عدد هذه الممنوعات مقابل عدد الواجبات,الأمر الذي يعني الوقوع في المزيد من المآثم.وإلا فان القران والسيرة فيهما الكثير مما يعني بالحرمة السلوك الايجابي تجاه الآخر مسلما أو غير مسلم كما في قوله تعالى:
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[3].
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[4]. عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [5]. لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [6]. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[7] .
كذلك لاحظ قوله تعالى:
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير[8]ٌ.
أو كما في سيرة النبي صلى الله عليه واله انه قام لجنازة يهودي , فقيل له انه يهودي فقال “أليست نفسا”[9].
وهذه السلسلة من الحرمات,بشقيها :الواجبة والممنوعة يمكن تصنيفها تحت عناوين متعددة بدءا من الإنسان الأخ في الدين إلى الإنسان النظير في الخلق, كما في قسمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للناس في كتابه إلى مالك الأشتر لما ولاه على مصر: “وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم , ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان:إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”[10] . والتي نجد أساسها في القرآن الكريم في قوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.[11]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[12].
وقد تدخل عناوين أخرى في إيجاد استحقاق هذه الواجبات أو الممنوعات فتتشدد عندها كما في الأبوين والأبناء والأرحام وأولي القربى والجيران الجنب والعمال وغيرها كثير..
وهكذا , فان حرمة الإنسان المسلم جزء من منظومة لحقوق الإنسان في الإسلام أشرنا إليها لنخرج بتدرج منطقي إلى أن خصوصية اعتناق الإسلام كدين هي من هذه العناوين المتعددة التي تستدعي زيادة استحقاق المسلم لواجبات وممنوعات للمسلم على المسلم من حيث إسلامه وليس فقط من حيث إنسانيته كما عرفت.

الحرمة والتفريق بين الإسلام والإيمان:

وتستند هذه الحرمة إلى عناوين خاصة وردت في نصوص القرآن والسنة تشير إلى المسلم , والى المؤمن مع إرادة كفاية اعتناق الإسلام , فان الخبير بالآيات القرآنية يعرف أن منها ما ورد بمادة الإيمان و ليس المراد منه خصوص التفرقة بين الإسلام والإيمان المشار إليها في قوله تعالى :
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[13] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.[14]
فانه تعالى عبر بالمؤمنين عن المنافقين في قوله عز من قائل:
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ[15]
والتي أجمع المفسرون أنها في المنافقين ووردت في ما يشبه سياق المقابلة المذكورة في سورة الحجرات آنفا ,وهو قوله تعالى عنهم ” يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ” :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[16] الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[17] أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[18] كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ[19] يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ.[20]
فان القرآن الكريم عندما يريد الإشارة إلى المؤمنين في قبال المسلمين يضيف إلى الإيمان قرينة لفظية قد تكون متصلة أحيانا كما في الآية 15 من سورة الحجرات التي مرت أو الآيات الأربع الأول من سورة الأنفال أو قوله تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا[21],أو منفصلة . وانه تعالى اكتفى بطلب الشهادة القولية مع الإيمان بها لتحقق معنى الإسلام ولم يقيدها بالعمل كما في الكثير من الآيات التي تقرن الإيمان بالعمل الصالح شرطا لدخول الجنة: وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[22] قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[23] فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[24] صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ.[25]
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ[26] فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.[27]
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[28] يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[29] هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[30] مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[31].
وعلى ذلك فان كثيرا من الحرمات المنصوصة للمؤمن هي أيضا للمسلم إلا أن تقوم القرينة أو الدليل على خلاف ذلك .
ومن جهة أخرى فان القرآن الكريم عبر بالمسلم عن المؤمن لكن في ما يعني الأقوام السابقة على الأمة المحمدية مرة ,كما في قوله تعالى:
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[32] بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.[33]

وقوله عز وجل:

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ[34] قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ[35] لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ[36] مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ[37] فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[38] فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ[39] وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ[40].
وقوله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ[41] أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.[42]
وحكايته: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[43] رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.[44]
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[45] أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.[46]
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[47] قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.[48]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.[49]
أو أن يكونوا من غير الإنس كما في حكايته عن الجن بعد البعثة المحمدية مرة أخرى:
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا[50].
أو من الجن والإنس وغيرهما في موقع آخر:
أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.[51]
وأما في السنة فانك تجد التعبير بمواد “الإسلام” و”الإيمان” و”الأخوة” والحكم فيها (الحرمة) كذلك أنها تعمهما (المسلم والمؤمن) معا ما لم تقم القرائن والأدلة على إرادة خصوص احدهما بعينه , قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : “المؤمن حرام كله عرضه وماله ودمه”[52] وروينا الحديث بمعناه كاملا بلفظ المسلم.
وقد جاء عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) أنه قال:”عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيرا له وان قرض بالمقاريض كان خيرا له وان ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له”[53] وهي صفات المؤمن .
والتفصيل فيهما يأتي بعد التأصيل .

تأصيل حرمة المسلم وعمومها لشؤونه كلها:

تتضافر الآيات والروايات التي تجعل (تكليفا[54]) للإنسان بمجرد الإسلام حقوقا على المسلمين من حيث اتصافه به بإعلان الشهادتين مع التصديق بهما , نعم الإحاطة بمباني الإسلام , الواردة في خصوص الأحاديث الناصة على ابتناء الإسلام على عدد من الأمور:أقلها واحد كما في كنز العمال عن رسول الله صلى الله عليه وآله:”تنظفوا بكل ما استطعتم , فان الإسلام بني على النظافة, ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف” أو خمسة أو سبعة أو ثمانية أو عشرة على اختلاف في تسميتها بعد الاتفاق على عددها في بعض الموارد , إنما تتعلق بحسن إسلام المرء أو صحة اعتقاده أو إيمانه ولا تتعلق بأصل إسلامه , فقد يتفرع على الإسلام “الفسق” و”النفاق” و”البغي” بل وحتى “الردة” فتنقسم إلى ما يستتاب المرتد عنه وما لايستتاب فيه , وهي أحوال نعلم بالوجدان وقوعها من المسلمين .ولكل من هذه المتفرعات أحكامه التي ترتبط بالنظام القضائي الإسلامي لا بأفراد المسلمين المؤمنين إلا في موارد خاصة حددتها لهم الشريعة الإسلامية وحددت الوظائف المطلوبة منهم والتدرج فيها كذلك إن لم تكن من اختصاص الجهاز الأمني أو القضائي في الدولة الإسلامية.
فمن الأدلة على أصالة كفاية الإسلام دون تحقيق الإيمان في استيجاب الحرمة للمسلم استحقاقه معنى الأخوة كما في قوله تعالى:
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[55] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.[56]
وفي الكلام عن بغي إحداهما تصريح بعدم حسن الإسلام مع بقاء الأخوة الإسلامية , وهو ما صرح به أمير المؤمنين علي عليه السلام في جوابه لمن سأله عن أهل الجمل : “أمشركون هم ؟ قال من الشرك فروا .قيل أمنافقون هم ؟ قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل فما هم ؟ قال:إخواننا بغوا علينا .” ومثله كثير .
ومن الأدلة القاطعة ما قرره الكتاب العزيز في قصة الصحابي الذي قتل من بادره بالسلام والشهادتين , وموقف النبي صلى الله عليه وآله منه في روايات مختلفة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[57]
ومنها اعتبار النبي صلوات الله عليه وآله المنافقين مسلمين مع تعريف الله له ببواطنهم في بعض المواقع:
إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ[58] اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[59]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ[60] وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ[61] .
فان قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً صريح في استحقاقهم الأمن على أنفسهم بل وحصوله لهم في مجتمع صدر الإسلام وحياة النبي صلى الله عليه وآله.
كذلك من الأدلة ما ورد في السيرة النبوية من رجم الزاني ثم الصلاة عليه,وقطع السارق ثم تزويجه , وهو ما احتج به أمير المؤمنين علي عليه السلام على الخوارج في كتابه إليهم:” فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت ، فلم تضللون عامة أمة محمد ( ص ) بضلالي ، وتأخذونهم بخطئي ، وتكفرونهم بذنوبي . . . وقد علمتم أن رسول الله ( ص ) رجم الزاني المحصن ، ثم صلى عليه ، ثم ورثه أهله ، وقتل القاتل وورث ميراثه أهله ، وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ، ثم قسم عليهما من الفيء ، ونكحا المسلمات ، فأخذهم رسول الله ( ص ) بذنوبهم ، وأقام حق الله فيهم ، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله”[62] .
وفي رواية حمران بن أعين عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام “ والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح [63] الحديث . وفي رواية سماعة عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :” الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وبه حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره عامة الناس[64] إلى غير ذلك من الروايات التي يقف عليها المتتبع .
بهذا يثبت معنى أصالة الإسلام لمن نطق بالشهادتين معتقدا بها وعليها تترتب الأحكام له وعليه . وثمرة هذا الأصل الاعتماد عليه عند الشك فيرجع الشاك إليه ليتصرف على هذا الأساس فيحكم بطهارته وطهارة متاعه وبصحة أعماله ويحمله على أحسن الأوجه إلى ما هنالك من الأحكام الكلية الثابتة للمسلم بما هو مسلم .
وأما عموم الحرمة للمسلم في شؤونه كلها إلا بالحق فقد استفاضت بها السنة وعمل بها أهل البيت والصحابة والفقهاء,ولم يتردد فيها إلا الشاذ أو الطغاة . والبحث عن إثبات هذا العموم يكون بحثا عن النصوص الواردة بصيغ العموم أو عن الاطلاقات الدالة عليه أو عن القرائن اللفظية وما إلى ذلك .
وثمرة إثبات العموم للحرمة بعد ثبوت أصل الإسلام تأكيد استحقاق المسلم لخصوص العناوين العامة التي يظهر شدة اهتمام المشرع في مراعاة الاحتياط فيها من تكرار النص عليها مستقلة تارة وفي جملة الحقوق تارة أخرى , وهي مجمع المشهور من مقاصد الشريعة في كلام العلماء عن لزوم الاحتياط في حفظ الأنفس والأموال والأعراض .وهذه نماذج من السنة النبوية من طريق الشيعة والسنة:
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) : “المؤمن حرام كله عرضه وماله ودمه”[65].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:” كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله و عرضه”[66].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ”
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ” كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه “.
و قال صلى الله عليه وآله وسلم: “ لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا”[67].
وفي رواية: ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ).
وفي الحديث النبوي“أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله , ويقيموا الصلاة , ويؤتوا الزكاة , فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام , وحسابهم على الله” رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر. وجاء في حديث مسلم من رواية أبي هريرة:“حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به”وذلك موافقة لرواية ابن عمر في المعنى.
وقد روى هذا الحديث أنس وقال:”حتى يشهدوا أن لا إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا, وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا. فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها, لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين”[68]
أقول, إن صدر الحديث أو المتروك منه هنا هو ما رواه اليعقوبي في تاريخه والواقدي في مغازيه في باب حجة الوداع في ضمن خطبة يوم النحر وأشار إلى ذلك في هامش المهذب لابن البراج[69]:“أيها الناس لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض”…إنما أمرت…الحديث, ونحوه في تفسير علي بن إبراهيم عند قوله تعالى في سورة المائدة:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[70] .
وروى الجملة الأولى بدون الثانية في كتاب تحف العقول في خطبته صلى الله عليه وآله.[71]
ففي هذه الأمثلة كفاية لما طلبناه.

حدود حرمة المسلم وموقعها من سُلَّم الحرمات:

لا بأس من التذكير بداية بما أوضحته سابقا, من أن الحرمة تشتمل على أوامر ومناهي . وعلى ذلك فان حدودها تكون مرة بملاحظتها وأخرى بملاحظة الإنسان , ففي الأولى تكون حدود الحرمة كل ما صح من أحكام وجهت إلى المسلمين رعاية لحق الإسلام مستندة إلى الكتاب والسنة ونجدها على الخصوص في السنة المطهرة بألفاظ من مثل “حق المسلم على المسلم”أو حق المؤمن” وهي كثيرة تراجع في المجاميع الحديثية.
وأما بملاحظة الإنسان نفسه, فإن حدود الحرمة ممتدة من لحظة انعقاد نطفته إلى ما بعد دفنه فنجد في السنة النبوية قاعدة كلية تقول: حرمة المسلم ميتا كحرمته وهو حي سواء”[72]
و قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
“حرمة الرجل المسلم ميتا كحرمته حيا سواء”.[73]
والحجة في ذلك استحقاقها بنسبته إلى الإسلام. نعم بعض العناوين جاءت خاصة كما في بر الوالدين بعد وفاتهما ببر أصدقائهما الأحياء مثلا, فهي من الموارد التي أشرت في أول الكلام أنها من موارد تشديد حق الحرمة بتحقق هذه العناوين وأمثالها.
وأما الكلام عن موقع حرمة المسلم في سلم الحرمات فيأتي لان حرمات الله في عالمنا متعددة : فمنها ما يتعلق بغير العاقل من مخلوقات كالنهي عن المثلة ولو بالكلب العقور, ومنها ما يتعلق بالأشياء كصيانة الأمانات المجعولة تحت يدي المسلم وتنزيه المساجد ومنها ما يتعلق بالقيم كالصدق ومنها ما يتعلق بالإنسان في أحواله كلها. والظاهر البين تقدم حرمة الإنسان المسلم على سائر الحرمات , قال تعالى:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[74]
وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام في أول خلافته :” إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر . فخذوا نهج الخير تهتدوا ، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا . الفرائض الفرائض ، أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة . إن الله حرم حراما غير مجهول ، وأحل حلالا غير مدخول ، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها ، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها . فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق . ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب . بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم ، وإن الساعة تحدوكم من خلفكم . تخففوا تلحقوا ، فإنما ينتظر بأولكم آخركم . اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم ،أطيعوا الله ولا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير فخذوا به ، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه .”[75]
وقال الصادق عليه السلام :”إن لله عز وجل في الأرض حرمات :حرمة كتاب الله,وحرمة رسول الله, وحرمة أهل البيت,وحرمة الكعبة ,وحرمة المسلم وحرمة المسلم وحرمة المسلم”كررها ثلاثا لبيان عظمتها.[76]


التعظيم لحرمات الله:

قال تعالى :
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[77]
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور[78]ِ .
بعدما تبين تعظيم الاسلام لحرمة الانسان المسلم وما جعل الله له في أعناق المسلمين أليس غريبا ان نجد في مجتمعات المسلمين من لايرجون لله وقارا في عباده ولا يستفيدون من التجارب التاريخية للمجتمع الاسلامي حيث تحدثنا كتب التاريخ عن اضطرار أحد علماء المسلمين للتظاهر بأنه من أهل الكتاب حتى يخلى سبيله ويبلغ مأمنه بعد تعرض جماعة التكفيريين القدامى له.
أليست الأمة الاسلامية هي التي تتعرض للعدوان اليوم بما تمتلكه من أشياء لها حرمتها وبقيم لها حرمتها وبأفرادها المسلمين الذين أهم أعظم حرمة من الكعبة أعزها الله , وهي مهددة أيضا؟.
ان تعظيم حرمة المسلمين وحفظها ورعايتها هي من أهم المداخل الى وحدة الامة الاسلامية , ووحدة الامة الاسلامية بما تعنيه من تحقق جديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد , اذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” هي الحصانة ليس لافراد المسلمين وأجيالهم القادمة في مواجهة الطغيان المادي الفاسد والمفسد فحسب بل هي المنقذ للانسانية باستعادة الامة الاسلامية لدورها المفترض كما أرادها الله:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .

[1] الحجرات/12
[2] المائدة/32
[3] الممتحنة/5
[4] الممتحنة/6
[5] الممتحنة/7
[6] الممتحنة/8
[7] الممتحنة/9
[8] البقرة/109
[9] صحيح البخاري ج1 ص228
[10] نهج البلاغة:الكتاب 53
[11] الحجرات/10
[12] النساء/1
[13] {الحجرات/14}
[14] {الحجرات/15}
[15] {الأنفال/5}
[16] {الأنفال/2}
[17] {الأنفال/3}
[18] {الأنفال/4}
[19] {الأنفال/5}
[20] {الأنفال/6}
[21] {التحريم/5}
[22] {البقرة/135}
[23] {البقرة/136}
[24] {البقرة/137}
[25] {البقرة/138}
[26] {آل عمران/19}
[27] {آل عمران/20}
[28] {آل عمران/64}
[29] {آل عمران/65}
[30] {آل عمران/66}
[31] {آل عمران/67}
[32] {البقرة/111}
[33] {البقرة/112}
[34] {الذاريات/31}
[35] {الذاريات/32}
[36] {الذاريات/33}
[37] {الذاريات/34}
[38] {الذاريات/35}
[39] {الذاريات/36}
[40] {الذاريات/37}
[41] {القلم/34}
[42] {القلم/35}
[43] {البقرة/127}
[44] {البقرة/128}
[45] {البقرة/132}
[46] {البقرة/133}
[47] {البقرة/135}
[48] {البقرة/136}
[49] {آل عمران/52}
[50] {الجن/14}
[51] {آل عمران/83}
[52] [52] كتاب المؤمن الحسين بن سعيد: 72 / 199 ، تحف العقول : 57 ، مستدرك الوسائل : 9 / 136 / 10478
[53] الكافي ج2 ص63
[54] الحكم التكليفي هو الذي يتعلق به احد الأحكام الخمسة :الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة
[55] {الحجرات/9}
[56] {الحجرات/10}
[57] {النساء/94}
[58] {المنافقون/1}
[59] {المنافقون/2}
[60] {محمد/29}
[61] {محمد/30}
[62] نهج البلاغة: الكتاب 127
[63] الكافي ج 2 ص 75 ح 5
[64] الكافي ج 2 ص 75 ح1
[65] كتاب المؤمن الحسين بن سعيد: 72 / 199 ، تحف العقول : 57 ، مستدرك الوسائل : 9 / 136 / 10478 .
[66] رسائل الشهيد الثاني (ط.ق) – الشهيد الثاني – ص 285
[67]تفسير القرطبي – (ج 16 / ص 323)
[68] تكملة حاشية رد المحتار ج1ص494
[69] المهذب ج2ص454
[70] {المائدة/67}
[71] مما لا ينبغي ترك الإشارة إليه هنا أمور أولها ملاحظة تعبير النبي صلى الله عليه وآله “الناس” وثانيها أن الأمر بالقتال على الإسلام لم يكن الخيار الأول الذي كلف به الدعاة من سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله إلى آخر داعية فقد جاء في الوصايا التي كان يوصيها للأمراء التدرج في دعوة الناس إلى الإسلام حتى يكون القتال آخر الأمور وثالثها أن الحديث المقطوع أوله جاء في احتجاج عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر لما أراد قتال الخارجين عليه قال : كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله..الحديث.
[72] وسائل الشيعة من حديث رسول الله: باب ( 51 ) من أبواب الدفن حديث 1
[73] المقنع – الشيخ الصدوق – ص 35 – 36
[74] {الإسراء/70}
[75] الخطبة167
[76] كتاب المؤمن: ص73 وأخرج نحوه في بحار الانوارج74 ص232
[77] {البقرة/194}
[78] {الحج/30}
هذا المنشور نشر في دراسات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s