علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر [5] الشيــعـــة بـــين الـــولايــة والمـــواطــنــة بقلم الشيخ علي خازم

جريدة النهار – الاثنين 06 أيلول 2010 – السنة 78 – العدد 24155
محور
مع رمزية رحيل كامل الأسعد:
علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر [5] الشيــعـــة بـــين الـــولايــة والمـــواطــنــة بقلم الشيخ علي خازم
باشرت “قضايا النهار” محوراً تحت عنوان “مع رمزية رحيل كامل الأسعد: علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر”.
بعد تقديم جهاد الزين (طائفة بين ارتباكين… ومغامرة كبرى- 25 /8 /2010)، ساهم طلال عتريسي (ماذا يريد الشيعة من دولتهم- 25 /8 /2010)، وسعود المولى (مشروع الإمام الصدر المستقبلي أصبح هو أيضاً من الماضي- 29 /8 /2010)، ونجاة شرف الدين (سوريــا والشيعــة اللبنانيون – 1 /9 /2010)، وطلال خوجة (لعنة الموقع- 3 /9 /2010). اليوم يساهم الشيخ علي خازم:
من أبسط أسس الثقافة الواحدة للمجتمع اللبناني وجود فهم وإحساس بوحدة وطنية، وهو شعار طالما سمعناه يتردد في الإعلام ولكن المفهوم الذي يراد منه لم يكن – في قراءة تاريخية – واحدا أبدا، والسبب هو الأحداث السياسية التي شهدها لبنان منذ تأسيسه إلى حين إنجاز وثيقة الطائف، والمواقف التي التزم بها الناس تجاهها.
ويضاف إلى ذلك عدم تطوير المؤسسات الرسمية أو الأهلية اجتماعية وسياسية لمباني تشكيلة وطن حديث بالمفهوم السياسي.
يطلق البعض عبارة الوحدة ويريد منها: وحدة المقيمين على الأراضي وضمن الحدود اللبنانية ممن شملهم إحصاء 1932 وأبنائهم ويخصهم بكونهم مسلمين ومسيحيين فالوحدة الوطنية عنده هي وحدة بين المسلمين والمسيحيين.
ويطلق البعض هذه العبارة ويريد منها الأفراد انفسهم ولكن بلحاظ توجهاتهم السياسية فيريد من الوحدة الوطنية وحدة بين أصحاب التوجهات السياسية. فيستبعد قسما من الناس لا يستهان به وعرفنا في العشرين سنة الأخيرة مفاهيم مختلفة لِـ”الوطنية” ضيقت ووسعت من حيز من تنطبق عليهم بحيث صار جزء من أفراد الشعب اللبناني خارج عنوان “الوطنية”، وبالتالي فقد مفهوم “الوحدة الوطنية” إطاره الشامل وصارت الوحدة تعني جزءاً من الشعب الحامل للهوية اللبنانية، وفي المقابل كان المفهوم من”الوطنية” بالسعة التي يمكن معها حال عزل هذه الفئة اللبنانية أو تلك أن يمكِّن من ضم أفراد من شعوب شقيقة وصديقة في المنطقة وخارجها.
مستغرب ومستصعب هذا الكلام: صحيح ولكننا وضمن الرؤية الواقعية التي ننطلق منها بحاجة إلى تجديد البحث وتحديده للتفاهم على أساس نعيش واقعنا من خلاله.
لبنان كيان سياسي حديث، “وطن اتخاذي” – إذا صحت الاستعارة من المفهوم الشرعي الإسلامي – ولم يكن كافيا استعارة المفهوم القانوني للمواطنية من التشريع الفرنسي ليكون الحامل للهوية اللبنانية أو المقيد في سجلات الإحصاء “مواطنا” وكما يحق لبعض المعترضين على طريقة منح الجنسية اللبنانية اخيرا السؤال عن مدى “مواطنية” أو “صلاح” هذا الفرد أو ذاك فان من المحق أيضا توجيه السؤال لا إلى السلطة التشريعية وحسب بل وإلى السلطة التنفيذية عن دورها في صياغة برنامج لإصلاح أحوال حاملي هذه الجنسية وجعلهم مواطنين يستحقون صفة “الوطنية”.
“الوطنية” صفة لفرد يلتزم بالانتماء إلى وطن يقابلها اللامبالاة بقضايا هذا الوطن، أو تفضيل وتقديم قضايا بلدان أخرى، وفي آخر السلم يأتي في مقابلها مفهوم “العمالة” بمعنى خدمة قضايا بلد آخر بتخريب مصالح الوطن الذي ينتمي إليه الفرد.
هي إذا روح وليست وثيقة لأن ما تمنحه الوثيقة الرسمية هو عنوان” المواطنة والمواطنية” ولعلي لا أجانب الواقع إذا اعتبرت أن استكمال معنى ” المواطنة” في حياة الفرد هو العامل الأساسي لإحياء روح الوطنية فيه إذ لا معنى لكوني مواطنا لبنانيا وغاية ما تفيدني هذه “المواطنة” أن تحدد لي مكان إقامتي القانوني الذي يحصر حقي في الاقتراع لانتخاب نظام سياسي أو أداء الخدمة العسكرية أو محل إرسال الأوراق القضائية وما إلى ذلك من آثار تشريعية ثم لا يكون لي حقوقي في الخدمات التي تقدمها السلطة التنفيذية من تعليم وطبابة وضمانات وتسهيلات، الأمور التي اصطلح عليها منذ فترة بـ”الإنماء المتوازن”.
إن أهم عامل في عدم تشكيل روح وطنية سابقا ولاحقا هو الإحساس بعدم الانتماء، ولئن صح أن نعده صفة سلبية في مواطن يتمتع بكامل حقوقه وحاجاته فإن المسؤول عنه عند مواطن لا يتمتع بهذه الحقوق والحاجيات هو السلطة السياسية. وبالتالي فإننا بحاجة إلى استكمال صيغة المواطنة لتشكيل روح الوطنية.
هل يعني كلامنا أن لا وجود لروح وطنية وبالتالي لا وجود لوحدة وطنية، ليست الحال بهذه الصورة من الإطلاق والتعميم ولكنها حيث وجدت ترتبط بمفهوم خاص عن الوطن وقد تصاحبها حال من انعدام فهم لمعنى المواطنة أيضا.
نحن بحاجة لتجديد العهد بمعنى الوطن لأننا غالبا ما نتعامل معه على انه الدولة فقط والدولة حكم وحاكم وهؤلاء كما يقول المثل أعداء نصف الناس إن عدلوا وحيث يمكن الاختلاف مع الحكم والحاكم فإنه لا يمكن ولا يجوز الاختلاف مع الوطن وعليه.
العامل الثاني في إحياء روح الوطنية مع استكمال المواطنية هو الالتزام بالوطن فأين اللبنانيين منه؟ أشرت إلى عاملين مؤثرين في تشكيل الروح الوطنية: مقدمة للوحدة الوطنية الأول هو الإحساس بالانتماء الذي يحتاج مضافا إلى الهوية والقيام بواجبات المواطن قيام الدولة بواجباتها تجاهه إشارة سريعة،وأشرت إلى العامل الثاني وهو الالتزام بالوطن وأنه يقتضي تجديد العهد بمفهوم الوطن.
إن أي عمل سياسي خلافا للعمل الاجتماعي يحتاج إلى تحديد مفهوم للوطن، ونحن في لبنان اليوم لو راقبنا المواقف السياسية التي تصدر عن الأشخاص والجهات أمكننا تحديد خلفية لفهم الوطن متعددة بتعدد المواقف والاتجاهات.
وأخطر ما في هذه التوجهات أن قسما منها ما زال متمسكا بالأسس التي قام عليها الكيان اللبناني من توافق بين المسلمين والمسيحيين وهو يشعر أن الأمور لم تتطور بشكل سليم. وان قسما آخر من اللبنانيين يتجاوز كل الإشكالات والوقائع محاولا التأسيس لدولة تفترض مفهوما واحدا للوطن “يجب” أن يستسلم له الناس لما يراه هو فيه من مصلحة.
وأعتقد أن قسما من الناس بعيدون عن التفكير في هذه المسألة وان قسما آخر يخلط الأمور فلا يميز بين الوطن والدولة فكلما أحس بسوء أداء الدولة حمل هذا للوطن وكفر به.
إذا كان لبنان بحدوده الجغرافية الحالية ليس وطنا تاريخيا كبريطانيا مثلا وإنما شأنه شأن بقية الدول العربية: كيان سياسي قائم على حدود ناشئة عن تقسيم الدولة العثمانية، وأمكن له أن ينشأ بفعل اجتماع إرادة خارجية ونوع من التوافق الداخلي، فإن هذه العلة في الإيجاد لا تكفي وحدها لان يستمر بل يحتاج إلى علة للبقاء، وعلة البقاء والاستمرار يجب أن تصدر عن قوة فاعلة يمكنها مناهضة أي إرادة خارجية للإلغاء أو إعادة التقسيم التي عرفناها خلال الحرب اللبنانية مجتمعة بين إسرائيل وقوة كبرى أو أكثر.
عشرون سنة انقضت حروبا واختلافات فكرية وسياسية من أصل خمسين سنة، أعتقد أنها كانت كافية لا لتشويش صورة الوطن في عقول الناس بل لتدمير هذه الصورة، ولذلك فإنه من الواقعية بمكان فهم حجم الاختلاف الذي حصل حول إقرار “وثيقة الطائف” أو الدستور الجديد بما هو أساس بناء الجمهورية الجديدة.
وأن إقراره في صورته القانونية لم يلغِ ولا يلغِ الاختلاف معه وعليه فان المطلوب اليوم النظر في الجوانب الثلاثة التي تشكل صورة الوطن وتحديد موقف منها:
أولاً: الالتزام وتبني المسؤولية عن الحدود الجغرافية للوطن بحيث أن على اللبناني الذي يعيش في أقصى الشمال أن يهتم لما يجري في أقصى الجنوب، وان يعتني بما يجري فيه اعتناءه بما يجري في منطقته بل في حيه وأن يكون حريصا على حريته وسيادته وعدم ضياعه.
ثانياً: الجانب التاريخي ومنه تشكيل الوطن بحيث ينبغي أن يتعرف المواطن على هذا الجانب بالتفصيل لان العمل السياسي يدور اليوم وخلفية التشكيل هذه حاكمة على عقول الكثيرين ولا يمكن إلغاؤها بتجاوزها أو شطبها أو الدعوة إلى ميثاق جديد لان الأوطان لا يمكن وضعها في خانة احتمال تجديد التوافق عليها كل فترة لان الاحتمال الثاني سيكون التوافق على تدميرها وهو مرفوض.
ثالثاً: الشكل السياسي الحاكم على هذه الحدود الجغرافية، وهذا الشكل وان كان قابلا للتوافق أو الاختلاف إلا انه يمتلك أسسا لا تحتمل المناقشة وهي الأسس التي تحفظ التاريخ والجغرافيا أما ما عدا ذلك فإن الشكل السياسي مجعول لخدمة المواطن لا العكس.
ومن خلال الرؤية الشاملة لهذه الجوانب الثلاثة يمكن تشكيل صورة الوطن والتفاهم عليها والاعتقاد بها لنتمكن من إيجاد الروح الوطنية تاليا وإلا فإن البديل هو الفوضى.
والسؤال الجديد القديم ما هي آراء اللبنانيين في هذه المسائل؟
وفي هذه العجالة سأكتفي ببيان السائد بين اللبنانيين الشيعة كشيعة متدينين وليس كأحزاب تنضوي فيها جماهير شيعية قد تجمع إلى تشيعها أيديولوجيات أخرى أو متبنيات سياسية متفرقة، دون عرض وجهات النظر الأخرى المطروحة.
ارتضى الشيعة لبنان بحدوده الجغرافية الحالية وطنا – بعد التقسيم الذي فرضه الانتداب الانكليزي والفرنسي على المنطقة – وإن كانت لهم رغبة بالانضمام الى سوريا كما السنة. وتعاطوا مع الدولة القائمة بالتزام كغيرهم رغم أن الدولة كانت متجاهلة لكثير من حقوقهم كطائفة تاريخية مؤسسة بما ينعكس على حياتهم كمواطنين مما جعلهم يتحركون في حالة اعتراضية عبرت عنها قياداتهم الدينية من السيد عبد الحسين شرف الدين في رسائله إلى قادة الاستقلال وحتى السيد موسى الصدر في تشكيله للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وحركة المحرومين، وبينهما وإلى جانبهما كانت مجموعة من علماء الدين والملتزمين دينيا.
والشكل الاعتراضي الآخر تمثل بتحول قسم كبير من الشيعة إلى العمل السياسي في أطر حزبية غير دينية لتحقيق حالة مواطنية متساوية، فضلا عن إلتحاقهم بالمقاومة الفلسطينية تعبيرا عن التزامهم القومي.
والجديد الذي شهدته هذه الطائفة بعد انتصار الثوة الإسلامية في إيران هو تشكيل المقاومة الاسلامية و”حزب الله” اللذين باتا يستقطبان القسم الاكبر من الشيعة، ومع إعلان الحزب المتكرر من التأسيس إلى يومنا هذا تبنيه قضية ولاية الفقيه صار مقصدا لسهام النقد والتشويش في هذا الخصوص لجهة زعم التناقض بينها وبين الولاء الوطني.
ولي هنا بعض الملاحظات والتوضيحات:
– في العمل السياسي لـ”حزب الله” لم يسجل عليه أي موقف يتعارض مع المصلحة الوطنية اللبنانية.
– في العمل العسكري للمقاومة الإسلامية كذلك إلى عام 2005 وإغتيال الرئيس رفيق الحريري باستثناء الجهات التي تعاملت مع إسرائيل بشكل أو آخر.
– انقسم المعترضون على التزام الحزب ولاية الفقيه قسمين: قسم من خارج الطائفة وقسم من داخلها، الشيعة المعترضون كانوا في غالبيتهم متبرعين لمصلحة القسم الأول خصوصا من تحدث منهم من الموقع الديني، ولا أقصد من هذا الوصف الإنتقاص من قيمتهم العلمية وفيهم فقيهان أو أكثر كما ان فيهم مثقفين محترمين ولكنني ألاحظ في هذا الوصف ما تضج به كتابات أكثرهم خصوصا بعد حرب تموز 2006.
إن الالتزام السياسي المتمايز عن “حزب الله” سواء إلى تأكيد موقع مستقل على الخريطة اللبنانية أو إلى تبرير الإلتحاق بخط سياسي قائم ناشئ على ليبرالية لهذا القسم من الشيعة على الأقل هو أمر يثير الكثير من الإلتباس للأسباب التالية:
– تجاهل فاضح للعدد الكبيرمن أبناء الطائفة الذي يتبنى ولاية الفقيه.
– فوقية في التعاطي حتى مع الشرائح ذات التعليم العالي والثقافة فضلا عن علماء الدين الشيعة.
– إصرار غير مفهوم على طرح أن القول بولاية الفقيه نادر في وسط الفقهاء الشيعة.
– والأهم هو تعمد وقصد من البعض بإخفاء أن المتدينين الشيعة في لبنان وبحسب تقليدهم إلى زمن آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (1899 – 1992) كانوا يحتاجون إلى إجازة المرجعية لتحليل العمل في وظائف الدولة والتصرف في المال المقبوض منها، بمعنى أن هؤلاء في الوقت الذي يخوفون اللبنانيين عموما وبعض الشيعة خصوصا من القول بولاية الفقيه فإنهم يدعونهم إلى أحد أمرين إما الالتزام بالقول أنه لا دولة شرعية قبل الإمام المهدي ومحاولة التفتيش عن موقف يتصالح مع الدولة ويحفظ التدين، وإما الإلتزام بالعلمنة.
وإذا أحسنا الظن وجعلناهم في القسم الأول فإننا نسألهم ثانية لماذا تمنعون إمكانية كون القول بولاية الفقيه مع الإلتزام الوطني مدخلا تصالحيا في الفكر السياسي الشيعي الحديث ويكون لبنان منطلقه؟ ام انكم لا تستطيعون قراءة التجديد بمعاصرته ولا بد لكم أن تروه موقعا بتاريخ قديم لتتحفونا بقراءاتكم التاريخية لتطور الفكر السياسي وهذه نكسة ما بعدها نكسة وجمود على خلاف ما تدعون؟
– والملاحظة الأخيرة: إذا كان هؤلاء يسعون بزعمهم إلى طمأنة فريق من المسيحيين في الوطن وتبديد هواجسهم من تنامي عدد وقوة وحضور المسلمين عموما والشيعة خصوصا لجهة انعكاس التزامهم الديني على الحياة السياسية فإنني أسأل وبصراحة لم يتم المجاهرة بها من قبل: من الذي يطمئن المسلمين من هاجس الخوف أن يكون إصرار بعض المسيحيين على التعبير عن إسرائيل بالجار، والتعاطي معها على أنها “دولة عضو في الأمم المتحدة” ناشئا عن الإلتزام بموقف الفاتيكان وغيره من المرجعيات المسيحية الغربية وما يعنيه من لوازم وتبعات تجاه القضايا الوطنية والقومية والإسلامية؟
وبذلك تكون الهواجس متبادلة وتحتاج إلى كثير من المتابعة في الإتجاهين وليس في إتجاه واحد.
• • •
قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لمَا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ (السجدة 24). وفي الحديث عن أمير المؤمنين: “لا يتحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمور”. وعن الإمام الرضا في صفة الإمام: “مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة”. الولاية هي القرب والنصرة وتولي الأمر ولازم الولاية أن الولي يخلف من وليه في تصرفه كولي الميت.
وتدور مسألة الولاية في اتجاهين الأول بمعنى المولوية أو السلطنة والثاني بمعنى التوالي أي الطاعة والمحبة،وهي بالمعنى الأول تحتمل الجبر والالزام وبالمعنى الثاني لا تحتمله بل هي طوعية واختيارية، وإلا فلو لم يكن المعنى الأول يتضمن الالزام والجبر لبطلت الولاية التكوينية والحكومة الإسلامية، ولو لم يكن المعنى الثاني يتضمن الطوعية والاختيار لبطل استحقاق الثواب والعقاب.
ويقترب الأفراد والمجتمعات من الكمال الإنساني أو الاجتماعي كلما أمكن التكامل في تحقيق المولوية فيكون الإنسان عادلا والمجتمع عادلا إذا أعطى من نفسه الطاعة والولاية. ولذلك قالوا إن ولي الله هو الذي لا تتخلل طاعته لله معصية وحيث أن المجتمع متكون من الأفراد فصفاته تكون انعكاسا لأحوال أفراده وسلطانه. قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون﴾ (المائدة 55، 56).
والآية تشير إلى “وحدة ما” في الولاية المذكورة هنا بين ولاية الله والرسول وولي الأمر يقابلها وحدة المتولين جميعا وكونهم حزبا لله لأنهم تحت ولايته فولاية الرسول والذين آمنوا “هي من سنخ ولاية الله” (الميزان ص12 ج6).
والأصل في الولاية أنها كلها لله عز وجل إذ هي ذاتية له ثم هي عرضية في الرسول وأولي الأمر. وقد عرفنا أن له عز وجل الولاية التكوينية بمعنى”ولاية الخلق والإبقاء والإنماء والجزاء” وبالجملة هي ولاية “التصرف في كل شيء، وتدبير أمر الخلق بما شاء وكيف شاء، وقال تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ (الشورى). وكذلك فإن لله تعالى ولاية النصرة التي ذكرها بقوله تعالى﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وان الكافرين لا مولى لهم﴾ (محمد).
وقد ذكر الله تعالى لنفسه الولاية التشريعية في ما يرجع إلى الناس من أمور دينهم وأحكام حياتهم وعلاقاتهم قال تعالى:﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فعرفنا منها أن العبادة هي الدين ولا بد في الدين أن يشتمل على الأحكام، وقال تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾…الكافرون الآيات فعرفنا أيضا أن غير الله ليس له أن يحكم في خلق الله.
وقد قال جماعة من العلماء إن الله جعل شيئا من الولاية التكوينية للأنبياء والأئمة والصالحين.أما الولاية التكوينية للأنبياء والأئمة والصالحين فان المجعول منها لهم على معنيين: الأول انه يجري على أيديهم التصرف في الكون للإعجاز ومواجهة المنكرين فالحاصل عند الأنبياء يسمى معجزة وعند الأئمة والصالحين يسمى كرامة وقد يسمى معجزة تسامحا، واستدلوا له بقوله تعالى على لسان عيسى:﴿وأخلق لكم من الطين كهيئة الطير بإذن الله﴾. والثاني أنه جعل بين الكون المادي وبينهم نوعا من الارتباط لا يمكن تفسيره ويذكرون له مثالا اضطراب الكون عندما استشهد الإمام الحسين عليه السلام بتلك الطريقة المروعة وقد روي في ذلك روايات أقربها ما ذكرته السيدة زينب عليها السلام في خطبتها في أهل الكوفة: ” أتعجبون لو أمطرت دما” وقد روى أصحاب السير والتواريخ أنه لم يرفع حجر أو عشب يومها إلا ووجد تحته دم عبيط- يعني لزج- والمشهور من تحول تراب كربلاء في القارورة المودعة عند السيدة أم سلمة(رض) يوم عاشوراء”.
هذا، وأما الولاية التشريعية للنبي وأولي الأمر فإنها ليست بمعنى أن لهم حق التشريع من عند أنفسهم وقد قال تعالى:﴿إن الحكم إلا لله﴾ بل هي تفويض القيام بشؤون الشريعة والدعوة وتربية الأمة والحكم والقضاء. قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ إنها ولاية البيان والتذكير والحكومة على الناس بمعنى التصرف في الأموال والأنفس: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (الاحزاب6).وهذه الولاية للنبي في حياته كانت واضحة وجلية، وكان الالتزام بآية الطاعة ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ لا يشوبه إلا بعض مظاهر النفاق التي ذكرها القرآن الكريم في أكثر من موضع. إلا أن المسألة أخذت بعد وفاة رسول الله (ص) بعدا آخر تجلى في تحديد من هو ولي الأمر وكيف يعين، وهي المسألة التي أثارت الجدل والاختلاف والدم.
على أي حال فان تلك المرحلة شهدت بروز اتجاهات مختلفة لسنا في مورد بحثها وننطلق من الموقف الشيعي الذي اعتبر أن رسول الله (ص) جعل هذه الولاية – ولاية الأمر – وهي استمرار للولاية التشريعية بيد خلفائه من الأئمة المعصومين إلى غيبة ولي الله الأعظم.
ونعرف من التاريخ أن الأئمة فوضوا في حياتهم إلى بعض ثقاتهم أمور الدين والفقه في البلاد البعيدة عنهم بشكل خاص أما في زمان غيبة الإمام، وحيث أن هذه الولاية يجب أن تبقى مستمرة بضرورة استمرار الإنسان فإن الأئمة قد عينوا الفقهاء العلماء نوابا عامين عنهم وفي ذلك روايات كثيرة يتضح منها هذا التعيين ومواصفات الفقيه المعين للنيابة العامة وولاية الأمر.
وهذا الوضوح والبداهة في ضرورة جعل نائب للإمام تبعا لضرورة جعل الإمام توقف بعض الفقهاء فيه: هل إن للفقيه ولاية عامة كما الإمام أو إنها ولاية خاصة؟، إلا أن البحث يؤول إلى عدم الاختلاف في نفوذ تصرف الولي على أكثر الفروع والمسائل الفقهية حتى عند أشد الفقهاء احتياطا.
وبصورة أبسط: لما كان الدين مستمرا والناس تحتاج إلى مراعاة أحكامه في حياتها فإنها بحاجة إلى الحكومة التي تجري هذه الأحكام ومع وجود الفقيه الجامع للشرائط فانه الأولى بها إن لم نقل بأي دليل آخر.قال أمير المؤمنين عليه السلام:” أسد حطوم خير من سلطان ظلوم وسلطان ظلوم خير من فتن تدوم، وان الناس لا بد لهم من إمرة بر أو فاجر” (البحار ج7 ص 359).
وهكذا فإن الحكومة الإسلامية والولاية للفقيه على شؤون الأفراد والمجتمعات استمرار لحكومة النبي والأئمة بمعنى استمرار الولاية التشريعية في جوانبها المتعددة التي أشرنا إليها. ولكي تكون هذه الولاية التشريعية محققة للغرض الأصلي وهو عبادة الله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ لا بد من السعي لتنفيذها عبر إيجاد الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي الذي يحكم بما انزل الله.
وخلاصة مقتضيات كون الولاية استمرارا للإمامة – بخلاف المرجعية الدينية الفقهية التي شهدت تفويضا من الأئمة في حياتهم لبعض أصحابهم بمعنى قابليتها للتعدد – أن تكون واحدة (مركزية )، وقال آية الله فضل الله بإمكانية تعددها بحسب الأقاليم الإسلامية.
وهنا نصل إلى مسألة مهمة وهي الآثار المتعلقة بمسألة ولاية الفقيه المركزية على المواطن في دولة (لا تحكم بما أنزل الله). الأقرب إلى روح العقيدة الاثني عشرية في الإمامة من خلال البحث أن قضية الولاية عموما قضية إعتقادية وكذلك هي ولاية الفقيه من مسائل العقائد وان كانت آثارها وأكثر جوانبها تبحث في مجال الفقه وهو الجانب العملي من الدين. والمسألة بعد محل بحث علمي.
فقد ذكروا في علم الفقه أن موضوع مسائله هو أفعال المكلفين بينما نرى موضوع مسائل العقائد وعلم الكلام هي أصول الدين وقد عرفنا أن الحاكمية للفقيه والأحكام الشرعية هي استمرار لحاكمية الله وولايته وهي من توابع الأصل الديني الأول: التوحيد.
على هذا يكون المواطن في دولة حكومتها غير قائمة على أساس الشريعة الإسلامية مطالبا بالحفاظ على عقيدته في الدرجة الأولى والإيمان بولاية الفقيه كجزء من هذه العقيدة، وهذا يعني كما أننا لا نتصور مسلما شيعيا لبنانيا يترك الإعتقاد بنبوة سيدنا محمد وإمامة امير المؤمنين علي ابن أبي طالب لأنَّه يعيش في لبنان ويعتبره وطنه، فكذلك لا نتصور هذا المسلم الشيعي اللبناني يترك – على مستوى الإيمان بالحد الأدنى- الإعتقاد بوجوب ولاية الفقيه لشؤون الدولة، نعم الدعوة إليها وتطبيقها أمران آخران، وفي الوقت نفسه فإننا لا نتصور هذا المسلم الشيعي اللبناني خارجا عن عنوان المواطنة والشعور الوطني في هذه الدولة لأنه يعي إلتزامه الديني.
فهذه هي الثمرة الأولى والأساسية: لا تخالف بين المواطنة والالتزام بولاية الفقيه من هذا الجانب، وهو المعبر عنه بالتولي من المكلَّف مقابل الولاية من الفقيه كما مر معنا.
مسألة أخرى قد تثار وهي أن هذا الالتزام يستدعي أولوية تنفيذ أحكام الفقيه على أحكام دولة الوطن مما يجعل المواطن منفصلا عن الوطن ومما يوجد اختلالا في المواطنية مع تعدد الانتماءات فيه فتكون التبعية للاجنبي مؤثرة في إضعاف الكيان السياسي.
إن هذا التصور قائم على عدة أخطاء في فهم ولاية الفقيه أبرزها اعتبار الفقيه رئيسا لدولة أجنبية كأي رئيس حاكم آخر في وطن آخر. وقائم على جهل بأكثر وأهم الأحكام الفقهية خصوصا المتعلقة بالنظام العام مما يستدعي أن يصير الالتزام بولاية الفقيه السيد علي خامنئي مثلا تبعية لدولة أجنبية وما إلى ذلك من أمور تفصيلية كما في عدم اعتبار أهلية للدولة اللبنانية مما يستدعي إسقاط ولايتها على شؤون مثل الكهرباء والماء وعدم الالتزام بقوانين السير.. الخ.
هذا الموضوع من المسائل المهمة التي ينبغي التوقف عندها من وجهتين: الأولى بيان طبيعة دور ولاية الفقيه في هذا الزمان حيث تتعدد الحكومات على ارض الإسلام والثاني بيان طبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأجزاء.
إن مركز الفقيه ولي الأمر ليس جزءا من تركيبة الدولة أية دولة فهو ليس رئيسا عاما لها وليس رئيسا للسلطة التشريعية مجلس النواب أو للسلطة التنفيذية حتى ولا السلطة القضائية إنه موقع فوق كل هؤلاء وهو حاكم عليهم وعلى أية دولة يتصور بأن تقوم بإذن الله.
فهو إذا يشرف على استمرار الدولة الإسلامية في اتجاه تحكيم شرع الله، ويفرض – حيث يلزم الوضع – الأمر الشرعي لحفظها ورعايتها في هذا الخط، وتبقى عينه ساهرة على أوضاع المسلمين في الأماكن الأخرى من بلاد المسلمين ويبقى على اتصال بعلمائهم وقادتهم يستطلع شؤونهم وشجونهم وقضاياهم فإذا كان له في ذلك رأي أو حكم فإنه لا يكون إلا ملاحظا لكل خصوصياتهم وأمورهم من خلال ذلك التواصل.
وان التطابق بين ما قد تتبناه جماعة إسلامية هنا أو هناك مع رأي الولي لا ينبغي أن يفهم على انه تدخل أجنبي في شأن داخلي أو انعكاس لمصلحة الدولة التي يقيم فيها.
وهكذا لا يكون الإصرار على المقاومة للعدو الإسرائيلي التزاما بولاية الفقيه قرارا إيرانيا. إنه قرار وطني يتوافق مع الحكم الديني الشرعي. وإنَّ الاختلاف من حول المقاومة لا يجعلها مشروعا مستقلا في مواجهة مشروع الدولة والوطن بل إن في هذه المقابلة تجنيا على المقاومة وعلى الدولة. نعم يمكن المقابلة بين المقاومة والمفاوضة لكن هذا الأمر أيضا هو شأن وطني فقد نصل إلى التوافق على خيار المقاومة من منطلقات مختلفة إسلامية وغيرها وقد لا نصل والفصل في ذلك يكون من خلال الواقع السياسي والدستوري، إلا أن الولاية هنا لا شأن لها إلا التأكيد على الخيار الأقرب إلى الشريعة وإلى الموضوعية.
وأما في شأن آخر وهو شأن الدعوة إلى قيام حكومة إسلامية أو غير إسلامية فإننا كمسلمين سنة وشيعة في هذا الزمان زمان الغيبة مطالبون بإيجاد الحكومة الإسلامية والأمر فيها راجع إلينا تفصيلا ومع عدم تمكننا من ذلك فإننا مطالبون بفريضة أخرى هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي من الضرورات العقلية وليس الشرعية الإسلامية فحسب على أرضية حفظ النظام العام.
ومع تقسيم بلاد المسلمين إلى أجزاء ودول تبقى مسألة الاعتقاد بضرورة “تحكيم الإسلام” في قلوبنا وعقولنا وأن نسعى قدر الإمكان في ترشيد الحكومات القائمة ونتعامل معها على أساس ما ذكرناه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، سلطان ظلوم خير من فتن تدوم، وقد تصل النوبة إلى الثورة على هذا النظام أو ذاك تبعا للظروف الموضوعية وحجم الظلم والحيف اللاحق بالناس وعدم تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالخروج وهذا شأن إنساني أكد عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ (الشورى 36 – 41).
هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s