الحدود بين الصحافة والسياسة في حِرَفِّيَّتها وفي حَرْفيِّتها : ملاطفة ومقارفة ومفارقة

الحدود بين الصحافة والسياسة في حِرَفِّيَّتها وفي حَرْفيِّتها : ملاطفة ومقارفة ومفارقة

بقلم الشيخ علي حسن خازم

ثمَّة ما يخيف اللبنانيين – كلهم بلا إستثناء – على كلِّ شئ , وثمَّة ما يخيف بعض اللبنانيين من شئ دون الشئ الآخر الذي يخيف بعضهم الآخر , وثمَّة من يخيف اللبنانيين – كلهم بلا إستثناء – على نحو الواسطة – وهو صحافتهم…

عدو اللبنانيين يعرفونه . هو عدوهم , معركته هي معركتهم , لكن في انتظار حينها ما العمل؟

ليست الصحافة مكسر عصا , لكنها قد تكون هي العصا والسؤال : بيد من وعلى من تتكسر ؟

ملاطفة ( من التلطف بمعنى التمكين لا من “اللطف” الجنون بالعامية) :

السياسة مهنة لأن المهنة عند العرب هي الخدمة مقابل أجر فهي أحد نوعي الإجارة : إجارة النفس وإجارة العين (الشئ المملوك ) , وفي إجارة النفس يبحث الفقهاء عن تمليك الفعل للمستأجر أو تأجير المنفعة دون الفعل , والسياسي يؤجِّر نفسه في الجهتين الفعل والمنفعة ليخدم الناس بسياستهم إلى ما فيه مصلحتهم بنظره , وله في ذلك أدواته فضلا عن جهده كأي صاحب مهنة , وله أجرته بالطبع .

أما الصحافة فحرفة لأن الحرفة عند العرب الاسم من الاحتراف وهو الإكتساب بالصناعة والتجارة , وموضوعهما خارج عن نفس الكاسب , وقد عُرِفَت الكتابة بأنها صناعة كما الأدب , ومادتها التي يُشَكِّلُ منها الكاتب مصنوعه هي الحرف وهو واحد مفردات التهجئة , وقالت العرب الحرْف الطرف من كل شئ , والحرْفُ اسم فعل التحريف بمعنى النقل إلى طرف آخر .

السياسة مهنة والصحافة حرفة , هذا هو الأصل أمَّا المتطوع المتبرع فيهما فالحكم له أو عليه ولوازمهما فمردُّه إلى من تطوع أو تبرع له .

مقارفة ( من الإقتراف لا من القَرَف ) :

يتعيش أغلب الصحافيين من عملهم ويتعيش بعض السياسيين من عملهم , بعض الصحافيين تحولوا الى سياسيين ويتعيشون من فعلهما معا , لم أعرف “سياسيا” تحول إلى “صحافي” , أعرف سياسيين يستثمرون في الصحافة بعض رأسمالهم .

تداخلت المهنة بالحرفة من جهة , وهنا مكمن المخاوف في بعض السياسيين :

أول هذه المخاوف الوقوع في ما كرهه سلمان الفارسي حين قال رضي الله عنه: أكره أن أجمع على ماهني ( خادمي ) مهنتين , وفسَّره إبن قتيبة صاحب غريب الحديث في الجزء الثاني بقوله : والذي كره سلمان أن يجمع على خادمه خدمتين في وقت، مثل أن يطبخ ويخبز في وقت…

وليس آخر المخاوف أن يدمن الماهن التَبَذُّل ( من لباس البذلة وهو لباس العمل) المؤدي إلى الإبتذال , ففي الحديث النبوي: ” ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته ، سوى ثوب مهنته “. يعني: ثوبي بذلته . والثوب العربي لمن لا يعرف قميص وإزار…

وتداخلت الحرفة بالمهنة من جهة أخرى , وهنا مكمن المخاوف في بعض الصحافيين :

أول هذه المخاوف الوقوع في التحرُّف المذموم , وهو التحيُّز إلى فئة من الناس غير محقة , أو إلى ناحية آمنة فرارا من معركة بين حق وباطل ومثله الإنحراف …

وليس آخرالمخاوف التحريف بمعنى النقصان والزيادة في الكلام لنقله عن حقيقة معانيه ومقاصده.

مفارقة ( من الفَرقْ بمعنى الخوف لا من الإفتراق ) :

عودٌ إلى مفتتح الكلام يبرره ؛ الصحافيون – خصوصا – من اللبنانيين لخوفهم معنى كبير وهنا نصَّان لمحترفين مخضرمين بترتيب صدورهما المدهش : 30 -9 و 1-10 – 2010

1- غسان حجَّار – جريدة النهار- من مقالة بعنوان بعض الصحافة اللبنانية يفقد قيمته! – الخميس 30 أيلول 2010 – السنة 78 – العدد 24178

” من واجب الصحافة ألا تصمت في الدفاع عن الحق، ولكن من حق الناس علينا أيضاً، ان لا نتعامل معهم بـ”شطارة” وكأنهم “أغبياء”. صحيح ان عدد المتلقين سلبياً كبير، والمتفاعلين في شكل غير مدروس كثير، لكن ثمة معايير ومقاييس مهنية تستدعي منا المراجعة ، لا لنبقى مدرسة في الصحافة ولّى عهدها ، بل لنحافظ في الحد الأدنى على مقومات حسن العلاقة ، إذ تحول إعلام كثير، سبباً حقيقياً في إشعال الفتن ، والذهاب بلبنان مجدداً إلى حرب.

لكن السؤال الشائك: من يموّل هذا الإعلام؟ ولأي هدف؟ وهل يعلم الذين يكتبون ويقدمون البرامج أم لا يعلمون؟…”

2- فيصل سلمان مقالة بعنوان : صحافة اليوم في زاويته إختصر- المستقبل – الجمعة 1 تشرين الأول 2010 – العدد 3787 – شؤون لبنانية – صفحة 3

“.. هل من الانصاف القول إن وسائل الإعلام اللبنانية تتحمل جزءاً من المسؤولية عما سبق من حروب أهلية وفتن؟

طرح هذا السؤال أكثر من مرة، لعل أهمها في العام 1976 حين تقرر إرسال قوات ردع عربية الى لبنان فصدر المرسوم الرقم واحد الذي اخضع الصحافة الى الرقابة المسبقة . ثارت ثائرة الصحافيين واتهموا السلطات بالقمع وبكم الأفواه وندبوا لبنان الحريات والفكر.

اليوم أعترف انني كنت واحداً من أولئك. وكنت أيضاً واحداً من الذين سخروا الصحافة لأهداف سياسية ساهمت في تأجيج الحرب الأهلية.

لا أقول هذا لأبرئ السياسيين وأصحاب العقول الحامية ، ولكن لأحذر مما آلت إليه الصحافة في لبنان ، وأنبّه الجيل الجديد من الصحافيين الى انهم يشاركون الآن في حرب جديدة.”

هل يكفيان في شهادتيهما لتبرير الخوف ؟

ختاما , من مدونتي مرة أخرى إلى بعض من أُحِّبْ :

إذا كنا لا نُغَيِّر في من نكتب لهم , وإذا كنا لا نُغَيِّر في من نكتب عنهم , وإذا كنا لا نغيِّر في من نكتب عندهم , فلماذا لا نغّيِّر في ما نكتب , أم إنَّه قدر ومكتوب…

هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s