الاشاعة بين سطوة الاعلام و حكم الاسلام – مقابلة مع الشيخ علي خازم

الاشاعة بين سطوة الاعلام و حكم الاسلام – مقابلة مع الشيخ علي خازمتلفزيون المنار – برنامج الكلمة الطيبة تقديم الحاج أنور نجم 3- نيسان -2005 #24- صفر -1426  

1- لابد من التوقف اولا عند الاصطلاح,فما هو معنى الاشاعة, وما هي محدداتها,وهل هناك فرق بين الشائعة والاشاعة ام انهما مفهوم واحد؟

الاشاعة في اللغة هي الاظهار والنشر والاذاعة من شيع وظهر و ذاع. وهي الخبر المشاع والمنتشر بين الناس, ويحتمل الصدق اوالكذب, واشتهر استعمال اللفظ في الاخير.وقد وردت في القرآن الكريم بمواد الاشاعة والاذاعة والارجاف, قال تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(19) النور.

وقال عز وجل: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(83) النساء.

وقال سبحانه وتعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا(60) الأحزاب.

الأشاعة اسم فعل, والمصدر”اشاعة من شيع,النشر والاذاعة والاعلان.الخبر الذائع لا على سبيل اليقين والقطع وجمعها اشاعات”, كمافي “المرجع”للشيخ العلايلي, فالفرق بينها هو الفرق بين الفعل والنتيجة. وفي المنجد : شاع شيعا بالخبر: أذاعه وأشاع أشاعة الخبر وبالخبر:أذاعه ,الشائع:حديث شائع وشاع(على حذف العين كجرف هار) ذائع,الشاعة الاخبار المنتشرة وهذه جمع شائع ,رجل مشياع كمذياع زنة ومعنى.وفي ملحق المنجد شيع.الشائعة:الخبر المنتشر غير المؤكد:”راجت الشائعات” الخبر وقد ثيت بطلانه “كان ذلك شائعة”.الاشاعة:الشائعة.

والظاهر ان التبادر العرفي لفهمها في القصة او الكذبة (اسم المرة من الكذب) والتباني على استعمالها كذلك في الاعصرالاخيرة نقلها عما هو الاصح لغة, اذ الاصل ان يقال خبر شائع ,وهكذ تولد مصطلح الاشاعة ويقابله بالانجليزية: rumour , وبالفرنسيةrumeur :.

والشائعة كما في الموسوعة السياسية:”سلاح من أسلحة الحرب النفسية,يتمثل في خبر مدسوس كليا أو جزئيا وينتقل شفهيا اوعبر وسائل الاعلام دون ان يرافقه اي دليل او برهان, ويقصد به تحطيم المعنويات”.ولكن الواقع يشهد استخداما ابعد مدى من مجرد تحطيم المعنويات,فقد وجدت الاشاعة طريقها الى الاستخدام الاجتماعي والاقتصادي والاعلامي بل الفني ايضا.

يمكن تقسيم الشائعة على عدة اسس:

1- مصدر الشائعة.

2- طريقة انتشار الشائعة.

3- مضمون الشائعة من جهتين: نفس المعلومة,وغرضها.

4- حجم المستهدفين.

مصدر الشائعة قد يكون عدوا بنفسه او بواسطة عملائه,هذا اذا كان حجم المستهدفين على مستوى الامة. وقد يكون مريضا نفسيا يواجه ازمة اومريضا روحيا بداء الكذب او الغرور اوعقليا اذ يحاول تفسيرا لامر محير .

اما طريقة انتشار الشائعة فتختلف باختلاف الاسس الباقية,فقد تكون شخصية من فرد لاخر,او اعلامية ترتبط باحداث بعينها ,او ترويجية بتكرار العروض او الدعاية.وفيما تختفي بعض الشائعات عن مسرح التداول كليا,وتبقى مجرد ذكرى ان قيض لها من يحفظها,تغوص الاخرى فترة ثم تطفولأسباب متعددة.

ويختلف مضمون الشائعة على مستوى نفس المعلومة فقد تبقى بصورتها الاصلية كما اطلقت ,وقد يدخل عليها تعديلات ترويجية.ويختلف المضمون باختلاف الغرض ففي عالم الحروب ادوات ومضامين تختلف عن عالم الفن وعالم الاقتصاد وعالم التشريع. وقد تقدم سافرة او يمكن تقديمها مضمرة كبناء موقف من قضية دون نقاش مقدماتها.

وتبقى الشائعة مع كل ذلك كذبا او ادعاء بنقصه الدليل في الاجابة على بعض الاسئلة التي يتكون منها كل خبر او ما يصلح ليكون خبرا اعلاميا كمن؟ وكيف؟ ولماذا؟

2– هل الأشاعة من الامور المستحدثة ام انها تاريخية وقد عرفتها البشرية منذ غابر الازمنة, وبالتالي ما علاقة الاشاعة بالنفس الانسانية والاهواء التي تتحكم فيها؟

“الشائعة” قديمة وقد حفظ لنا القرآن الكريم نماذج منها تتعلق بالانبياء الكرام,عناوينهاومعاناتهم منها ومواجهتهم لها وقد عرضها القرآن الكريم بصورتين:

1- اجمالية كمافي قوله تعالى:

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(9)ابراهيم.

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52)الذاريات

2-تفصيلية: كقوله تعالى حاكيا اتهامهم للنبي شعيب:

قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ(185)الشعراء.

والنبي موسى:

فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(131)الاعراف.

والنبي محمد (ص):

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61)التوبة.

وقد حفظ لنا القرآن الكريم اشاعة تفصيلية وكيفية مواجهة المؤمنين لها بقوله تعالى:

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ(172)الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174)إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)آل عمران.

ونقلت الكتب نماذج, منها مايعود الى عصور غابرة .فالفيلسوف اليوناني سقراط مثلا تعرض لاشاعة تتهمه بتحريض شباب اثينا على العصيان والتمرد مما ادى الىمحاكمته وقتله .

قادة الحروب الصليبية وفي معرض التعبئة النفسية لاشراك اكبر حشد من المقاتلين اطلقوا شائعات تشبه الاساطير عن ثروات المنطقة الاسلامية وسهولة الحصول عليها.

الجنود الهنود العاملون في الجيش البريطاني كانوا يستخدمون بنادق تحتاج الى وضع البارود في السبطانة وكان ذلك يتم بتمزيق الكيس الورقي المشحم بالاسنان وافراغه ثم وضع المقذوف,انتشرت سنة1857 شائعة تقول للمسلمين ان الشحم المستخدم هو شحم خنزير , وللهندوس ان الشحم بقري. ولم تفلح الدعوة البريطانية الجنود لتشحيم الورق بانفسهم.

ويتحدث دانييل شنيدرمان في كتابه الكابوس الاعلامي ,الصادر في باريس عن انه :حملة الاشاعات التي تخص موضوعا معينا والتي تنسقها وسائل الاعلام في لحظة ما وعندئذ ترتفع درجة حرارة الجمهور وتنتشر العدوى بين الناس ويصبح الجميع ضحية لهذا الكابوس الاعلامي الغريب الشكل وعندئذ يلتغي الحس النقدي ولا يعود احد يميز بين الصح والخطأ. لا يعود احد قادراً على مقاومة الاشاعة او الكابوس الاعلامي الذي يضخونه صباحاً مساء بواسطة وسائل الاعلام الجبارة من اذاعة وتلفزيون وصحافة مكتوبة الخ. من جملة الكوابيس الاعلامية التي يحللها المؤلف حملة اليمين على حكومة جوسبان المنافس لشيراك قبل الانتخابات الرئاسية الاخيرة واتهامها بالاهمال فيما يخص أمن المواطنين..يقول:

ففي اثناء الحملة او حتى قبلها بقليل انتشرت اشاعة تقول بأن الأمن منعدم في فرنسا وان المواطن اصبح يخشى على نفسه اذا ماركب الباص، او حتى اذا ما مشى في الشارع! وقالوا بأن الأمن في ظل هذه الحكومة اليسارية منعدم في المدارس والمشافي، وبقية المؤسسات والاماكن العامة وقالوا ايضاً بأن البوليس لم يعد يؤدي وظيفته وانما اختفى من الساحة وتركها مباحة للعصابات والزعران.. وزعموا بأن الحكومة لا تفعل شيئاً لمعالجة الوضع بل وانها هي التي سمحت بذلك عن قصد.

وقد عرف اليمين الفرنسي كيف يستخدم هذه الاشاعة الى اقصى حد ممكن لزعزعة حكومة جوسبان وللقول بأن شيراك هو وحده القادر اذا ما انتخبوه رئيساً على اعادة الأمن الى البلاد.

ونجحت الاشاعة فعلاً وصدق الناس بأن الأمن منعدم في فرنسا لا ريب في انه كانت تحصل بعض الحوادث هنا او هناك ولكن هذا شيء طبيعي في بلد كبير كفرنسا ولا يبرر على الاطلاق القول بأن الأمن منعدم في كل البلاد.. فهذا لم يكن صحيحاً.

ولم يستطع اليسار مقاومة الاشاعة او قل لم ينتبه اليها منذ البداية وبعد ان انتشرت وملأت كل انحاء فرنسا اصبح من المستحيل عليه تبديدها او تكذيبها وهكذا نجح شيراك وسقط جوسبان بسبب تركيز الاعلام على موضوع الامن وضرورة تأمينة للمواطن الفرنسي.

وقد اعترف بعض السياسيين فيما بعد بأن جماعة شيراك النافذة في وسائل الاعلام هي التي بلورت الاشاعة وبثتها عن طريق الصحفيين التابعين لها (وبخاصة في التلفزيون) ولكن الامور كانت قد انتهت عندئذ ومن ضرب ضرب، ومن هرب هرب، وحلال على الشاطر.

وهذه هي السياسة في الواقع او في احد جوانبها على الأقل انها تتمثل في بث الاشاعات للضغط على الخصوم او تحطيمهم اذا امكن ثم ينتقل المؤلف بعدئذ الى تحليل كابوس اعلامي آخر او اشاعة كبيرة سيطرت على فرنسا لفترة قصيرة بعد (11) سبتمبر.

وتتمثل بكتاب «الخديعة الكبرى» الذي ادعى بأنه لم تسقط اي طائرة على البنتاغون صبيحة (11) سبتمبر، وان كل ذلك من فبركة وسائل الاعلام الاميركية للتمويه.

بل ويصل الامر، بالمؤلف الى حد القول بأن (11) سبتمبر كله ما هو الا مؤامرة داخلية أميركية وقد انطلت علينا بسبب سيطرة وسائل الاعلام الاميركية الضخمة على العالم ويرى هذا المؤلف ان هناك اناساً في اعلى الادارة الأميركية وهم الذي نفذوا الهجوم على مركز التجارة العالمي من اجل اجبار بوش على تغيير سياسته.

وبالتالي فعملية (11) سبتمبر هي في الواقع محاولة انقلاب لا اكثر ولا اقل ولا علاقة لشبكة القاعدة بها.

وقد دافع تييري ميسان عن هذه الاطروحة على مدار عدة أيام وربما عدة اسابيع امام شاشات التلفزيون واستطاع ان يقنع بها عدداً كبيراً من الناس.

ثم انكشفت عن خديعة كبرى لاحقاً وبالتالي فكتاب «الخديعة الكبرى» كان هو نفسه عبارة عن خداع كبير هكذا نلاحظ ان وسائل الاعلام تستطيع ان تصنع من الحبة قبة. وان تحول الاشاعة الى حقيقة ولو لبضعة ايام او بضعة اسابيع.

وبعد بضعة اشهر من صدور كتاب «الخديعة الكبرى» صدر كتاب يفنده تحت عنوان: «الكذبة الكبرى» وهو من تأليف الصحفيين غيوم داسكييه وجان غيزنيل.

وقد برهنا فيه على ان طائرة البوينغ قد تحطمت بالفعل على مبنى البنتاغون على عكس ما يزعم كتاب «ميسان» المذكور آنفاً فهناك شهود عيان عديدون رأوا ذلك بأم أعينهم ويمكن لأي شخص ان يتصل بهم هاتفياً لكي يتأكد من الامر ثم اعطيا قائمة بأسماء هؤلاء الاشخاص الذين رأوا الطائرة تطير على ارتفاع منخفض حتى وصلت الى مبنى وزارة الدفاع وارتطمت بأحد اجنحته.

وعندما ثبتت أكذوبة «ميسان» وانها تلفيق من اولها الى آخرها ندم احد كبار الصحفيين الفرنسيين (تيري ارديسون) لانه استجوب المؤلف على شاشات التلفزيون في برنامجه الشهير ولكن الشيء الغريب العجيب هو ان كتاب الكذبة الكبرى لم يحظ بنفس الشهرة التي حظي بها كتاب الخديعة الكبرى.

ثم يعرف المؤلف الكابوس الاعلامي على النحو التالي: انه عبارة عن اشاعة يجري تضخيمها عن طريق وسائل الاعلام فتصبح حقيقة واقعة ولو لفترة قصيرة.

اما عن علاقة الاشاعة بالنفس الانسانية فيمكن النظر اليها في موقع المطلق لها وفي موقع المتلقي. وقد ذكرنا في الكلام عن مصدر الاشاعة بان مطلقها قد يكون عدوا بنفسه او بواسطة عملائه,هذا اذا كان حجم المستهدفين على مستوى الامة. وقد يكون مريضا نفسيا يواجه ازمة, اومريضا روحيا بداء الكذب, اوعقليا اذ يحاول تفسيرا لامر يكتنفه بعض الغموض.اما على صعيد المتلقي فنحن امام نموذجين :امعة سلبي, او عاقل ناقد.الاول يتلقى ويندفع بلا تعقل تحت تاثيرات مختلفة. والثاني يحلل ويجيد طرح الاحتمالات و الاسئلة.

ويبقى ان الشائعة لاتنطلق الا حيث ينعدم الخبر الموثق و الصحيح,وفي زمان يشهد هرجا ومرجا ولمواجهتها كلام خاص.

3-هل عانى الانبياء عليهم السلام من اشكالية ترويج الشائعات…وكيف كانوا يتعاطون معها؟

تهم الانبياء كما وردت في القرآن الكريم

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)النساء

(النبي شعيب) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ(185)الشعراء

وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ(186)الشعراء

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ(87)البقرة

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ(34)الانعام

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(60)الاعراف

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(66)الاعراف

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ(109)الاعراف

فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(131)الاعراف

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ(27)هود

إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54)هود

وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(25)يوسف

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(9)ابراهيم

قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى(63) طه

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(41)الانبياء

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ(55) الانبياء

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا(4)الفرقان

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5)الفرقان

قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ(111)الشعراء

قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ(47)النمل

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا ءَالَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(56) النمل

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا(69)الاحزاب.

إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(24)غافر

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ(26)غافر

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ(52)الزخرف

ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ(14)الدخان

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(22)الاحقاف

فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(39)الذاريات

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52)الذاريات

أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ(25)القمر

4- تواترت الاحاديث التاريخية عن تعرض النبي محمد صلى الله عليه وآله لجملة من الاشاعات , وقد تعرض القرآن لبعضها, فما كان مآل تلك الاشاعات؟

نقل القرآن الكريم صورا للشائعات التي اطلقت بحق النبي صلى الله عليه وآله منها ما هو عام قد استخدم مع الانبياء من قبل اوردناها عند الكلام عنهم سلام الله عليهم ,ومنها ما كان خاصا بحضرته من ذلك قوله تعالى:

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(25)وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(26)الانعام.

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11)النور

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15)النور

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ(103)النحل.

بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ(5)الانبياء.

أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ(30)الطور.

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11)النور.

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61)التوبة

وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101)النحل.

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(47) الاسراء.

بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ(5) الانبياء.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا(4)الفرقان.

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5)الفرقان.

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(43)سبأ.

وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ(69)يس.

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4)ص.

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5)وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(6)ص.

مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ(7)ص.

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ(13)ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ(14)الدخان.

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ(41)وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(42)الحاقة.

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ(3)الكوثر.

المجتمع النبوي والاشاعات:

تعرض المجتمع النبوي للشائعات الشخصية والعامة , ونقل ذلك في القرآن الكريم:

والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً واثماً مبينا.(الأحزاب/58)

لئن لم ينته المُنافقون والّذين في قلوبهم مرض والمُرجفُون في المدينة لنُغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً* ملعونين أين ما ثُقفوا أُخذوا وقتلوا تقتيلاً* سنُةّ الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسُنة الله تبديلاً. (الأحزاب/60-62)..

وتحّدث القرآن في موضع آخر يصف دور هذا الطابور المخرّب، المروّج للأراجيف والاشاعات والمثبط للمسلمين في حربهم ومواجهتهم لعدو الإسلام.

قال تعالى:

وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ(46)لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(47)لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ(48) التوبة.

هذه الاشاعات وغيرها كانت نهايتها السريعة انكشاف زيفها وانحراف مطلقيها عن الانصاف واستحقاقهم للمعاقبة في الدنيا والاخرة.

5-هل تعتبر الاشاعة وفن استخدامها اليوم من ضروريات العمل الاعلامي الناجح,ام انها تستخدم في محطات اعلانية ترويجية ايجابية او سلبية تجاه احداث معينة؟

الحكم بالنجاح او الفشل لايصح خارج منظومة القيم,وان كنا نقر احيانا بقدرة بعض المؤسسات الاعلامية المتفوقة تقنيا و المتفلتة من الضوابط الدينية والاجتماعية الخاصة بمجتمعاتنا اكثر من بعض المؤسسات الاخرى المنضبطة بلائحة طويلة من الممنوعات والمحرمات ,فاننا نعرف ان الترويج والاشاعة اصبحا علما ,بل الاشاعة صارت جزءا من مقررات قسم الاعلام في اية جامعة محترمة فنجدها مثلا تحت عنوان:

الرأي العام والدعاية:حيث تتم دراسة تعريف الرأي العام ، نشأة وتطور الرأي العام ، خصائص الرأي العام ، الجوانب السلوكية في الرأي العام ، أنواع الرأي العام وتقسيماته المختلفة ، قياس الرأي العام ومعوقاته في الدول النامية ، أنواع بحوث الرأي العام .

تعريف الدعاية ، أنواعها ، اساليبها ، نماذج من أنماطها السياسية الحديثة ، الاشاعة ، تعريفها ، شروطها ، علاقتها بالرأي العام والدعاية .

وعنوان : الاعلام والحرب النفسية تاريخها ، أسسها السكولوجية ، استخداماتها في الحرب والسلم ، الدعاية وأنواعها ، الاشاعة وانماطها ومقوماتها ، الحرب واللاحرب المضادة الاعلامية ، حرب الاذاعات الموجهة .

الاسس التقنية المجردة الناجحة تخدم الايجابيات التي يحتاجها المجتمع في حفظ قيمه الانسانية والدينية فينبغي تحصيلها والاستفادة منها وكما قال المرحوم السيد شرف الدين:” لاينتشر الهدى الا من حيث ينتشر الضلال”.

6-اذا عدنا الى الشريعة الاسلامية,فما هي العلاقة التي يمكن ان نؤسس لها بين الاشاعة والكذب, وبالتالي فما هو حكم الاشاعة واطلاقها وترويجها بين الناس؟

الاشاعة بالاصطلاح المتقدم تدخل تحت عناوين اصطلاحية شرعية متعددة, فهي “كذب” و”تدليس” و”تغرير” و”قذف” و”شهادة زور” و”بهتان” و”الارجاف” و”اشاعة الفاحشة”.وقد اسس القرآن الكريم قاعدة للتعامل مع الخبر او الشائعة بقوله تعالى:

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)الحجرات.

“فبعد حادثة تاريخية استهدفت تزوير الحقيقة وتزييفها، نزلت هذه الآية المباركة؛ لتوضّح للمسلمين ضرورة التثبت، وعدم التسرّع في استقبال الخبر والرواية وتصديقهما، والاعتماد عليهما، وتقرير الموقف بناء على ما جاء بهما، اذا كان ناقل الخبر مجهولاً أو فاسقاً، ومرّوج الاشاعة غير مأمون على نقل الخبر وحمل الرواية”.

و اضافة الى ايجاد الميزان الناقد للاخبار ,فقد جاءت الاحكام الشرعية لتنص على عقوبات خاصة بانواع الاشاعات ففي الاتهام الفردي ,القذف مثلا,( وهو الاتهام في الاعراض )حد خاص هو ثمانون جلدة , ويتفاوت الحكم في المرجفين الذين يسعون لاضعاف الجتمع الاسلامي وايقاعه تحت سيطرة الاعداء بين التعزير والنفي والقتل. ويخرج الفاعل في كلا الحالتين الفردي والعامة عن حالة العدالة الامر الذي يسقط كثيرا من حقوقه المدنية.

هذا على الصعيد الدنيوي , واما على الصعيد الاخروي فانه من الاثمين الخاسرين المستحقين لانواع العذاب.

قال تعالى:

{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً}.

{لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمُرجفُون في المدينة لنُغرينّك بهم ثم لا يُجاورونك فيها إلاّ قليلاً* ملعونين اين ما ثقُفوا أُخذوا وقتّلوا تقتيلاً* سُنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً}.

{لو خرجوا فيكّم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكُم يبغونكُم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين* لقد ابتغوا الفتنة من قبلُ وقلّبوا لك الامور حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون}.

{ يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تُصيبوا قوماً بجهالة فتُصبحوا على ما فعلتُم نادمين}.

انّ قراءة هذه الآيات والتفحّص فيها يوصلنا إلى عدّة قضايا أساسية هي:

1- انّ الاشاعات والأكاذيب التي تستهدف سمعة المؤمنين والنيل من كرامتهم واسقاط شخصياتهم هي بهتان واثم، وهي من كبائر الذنوب، وأسوأ الاخلاق، وأحطّ الاساليب.

وهذه الآية تكشف لنا دور أولئك الذين يعملون في الظلام لصناعة الافتراء والتهم والأباطيل، والصاقها بالمؤمنين ليضعف موقعهم الاجتماعي والسياسي، ودورهم الرسالي، واخراجهم من ساحة التأثير والفاعلية الاجتماعية.

وقد برعت في العصر الحديث احهزة التجسس والاستخبارات

والحرب الدعائية في تصميم الاشاعات، وافتعال ما يسيء للسمعة والاسقاط، وجنّدت لذلك جهوداً دعائية وخبرات وعناصر كثيرة، صوّرت فيها المخلصين عملاء ومشبوهين ومخرّبين، والعملاء والمخرّبين والجواسيس أبطالاً وشخصيات طلائعية، بل وتلاعبت بالألفاظ والمصطلحات، فسمّت الخمور مشروبات روحيّة، والباغيات الراقصات نجوم الفن، ودعاة الخير رجعيين و…الخ.

2- سمّى القرآن اولئك الذين يصممون الاشاعات والدعايات التي تحاول اضعاف موقف الأمة السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الحضاري، ويقومون بنشر الاشاعات والاباطيل والأراجيف الكاذبة، بمرضى القلوب، نظراً لما في قلوبهم من غش وخديعة وحقد ورغبة في الهدم والتخريب وتغيير للحقائق وقلب لها.

7-اذا كانت الاشاعة كذبا وليست مجرد مبالغة في الوصف او التعبير,فهل تنبع خطورتها من كونها كذبا على جمهور واسع وليس فقط علىشخص او اشخاص محددين؟

الكذب واحد,نعم ان آثاره تختلف باختلاف حجم استهدافاته وكذلك بحجم ما يؤدي اليه.فالشائعة على المستوى الاجتماعي قد تؤدي الى تغيير ثقافي يخالف القيم والدين.وقد تؤدي الى اسقاط الاوطان تحت تأثير الاعداء بل تحت سيطرتهم الفعليةوهذا بالطبع يختلف عن اتهام شخص باهمال في استخدام الة في مؤسسة , وان كان اصل الذنب واحدا عند الله لان حرمة الانسان واحدة فقد قال تعالى:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)المائدة.

8-تستخدم الاشاعة احيانا من قبل اناس متشرعين على قاعدة الحرب النفسية مع الاعداء فهل ذلك مباح, واذاكان كذلك فما هي حدوده لنخرج من مناط الكذب وحرمته؟

الحرب النفسية الدفاعية او الهجومية في المنهج الاسلامي تلتزم احكام الاسلام ولايمكن ان تخالفه,وهي تقع تحت عناوين:تبليغ الحقيقة ,واثارة الشك في صدقية مسلمات الخصم , والارشاد الى مناهج التحليل للوصول الى الحقائق .والاشاعة بمعناها الايجابي وهو قصد اذاعة الحفائق ونشرها بين اكبر عدد من الناس امر مشروع بل مطلوب لتناسبه مع التبليغ.

الاسلام دعوة الى التعقل السليم لكل ما يحيط بالانسان, ودعوة الى الانصاف في القول والفعل وتحري الصدق فلا يمكن والحال هذه ان يستخدم اساليب تتناقض مع دعوته.

قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125)وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ(126)وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ(127)النحل.

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)فصلت.

ولناخذ من تاريخ الرسالةالاسلامية مثالا اول :

في معركة الأحزاب، وظّف رسول الله (ص العمل الإعلامي والحرب النفسيّة ضدّ الخصوم والأعداء، فقد كان جيش العدو متفوّقاً على المسلمين بعدّته وعدده، والمدينة محاصرة، والخطر يهدّد الإسلام، وفي هذه الأثناء جاء رجل من المشركين اسمه (نعيم بن مسعود) معلناً اسلامه، وعرض على النبي (ص) تنفيذ أي أمر يريده فقال له:” إنّما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذّل عنّا ان استطعت، فانّ الحرب خدعة”.1ـ الطبرسي/ مجمع البيان في تفسير القرآن/ المجلد الأول /ص 539.

وذكرهافي كتابه شرح الأخبار – القاضي النعمان المغربي ج 1 ص 297 قال: أتى رسول الله صلوات الله عليه وآله نعيم بن مسعود بن عامر – رجل من غطفان ممن كان مع المشركين – فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي ، فقد جئت اليك ، فأمرني بما شئت . فقال له رسول الله صلوات الله عليه وآله : إنما أنت فينا رجل واحد ، فما عسى أن تغني عنا ، ولكن انصرف إلى قومك واخذ لهم ( 2 ) عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة . فمضى على ذلك ، وكان نديما لبني قريظة ، فأتاهم كالزائر لهم ، فرحبوا به ووقروه ، فلما خلابهم قال : قد عرفتم مودتي لكم ، وقد جئت اليكم ناصحا إن قبلتم مني . قالوا : جزاك الله خيرا ، ما نتهمك بل نحن ممن نثق بمودتك ونقبل نصيحتك ، فقل ما أردت ! * ( هامش ) * ( 1 ) والحجارة : الانصاب التي كانت تعبدها قريش . الدكادك : الرمال اللينة . الظليم : ولد النعام . ( 2 ) وفي نسخة – ب – واحذرهم . ( * ) / صفحة 298 / قال : إنكم قد فعلتم فعلا لم تحسنوا النظر فيه لانفسكم ، نقضتم حلف محمد وصرتم مع قريش وغطفان ، ولستم كمثلهم ، إن قريشا وغطفان إنما جاؤا لحرب محمد وأصحابه على ظهور دوابهم فإن أصابوا منه ما أرادوا وإلا انصرفوا عنه ، وتركوكم معه ، وأنتم تعلمون أنه لا طاقه لكم به وبأصحابه إن خلا بكم ، وقد تداخل إصحابنا الفشل والاختلاف وطال مقامهم وخفت أزوادهم ، وكان من أمر ابن عبدود وأصحابه ما قد عرفتم وإنما كان المعتمد عليهم والنظر إلى ما يكون منهم عند اقتحامهم الخندق ، فإذا قد كان من ذلك ما كان فقد تداخل اليأس قلوب الناس واكثر ما يقيمون أياما قليلة فإن رأوا فرصة إصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وتركوكم ! ! قالوا : لقد صدقت ونصحت فيما قلت ، فجزاك الله خيرا . فما الحيلة بعد هذا ؟ ؟ قال : الحيلة ألا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهائن من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم أن لا ينصرفوا عنكم ويدعوكم . قالوا : لقد أشرت بالرأي ، فأحسن الله عنا جزاك . ثم أتى عيينة بن حصن وأبا سفيان ، فقال : إن بني قريظة بيني وبينهم ما قد علمتم ، وقد بت عندهم فاطلعت منهم على سر خشيت منه علينا ! . قالوا : وما هو ؟ ؟ قال : إن القوم قد ندموا على ما نقضوا من حلف محمد لما رأوا مقامنا ولم نصنع شيئا ، ونظروا إلى ما كان من أمر عمرو بن عبدود وأصحابه ، وخافوا أن ننصرف عنهم فيطؤهم محمد ، فأرسلوا إليه يرغبون في سلمه ويذكرون ندامتهم على ما كان منهم . وقالوا : نحن نرضيك بأن نأخذ من القبيلتين رجالا من أشرافهم ، فنسلمهم اليك ، فتضرب أعناقهم أو تفعل فيهم ما رأيت ، ثم نكون معك على من بقي منهم ، فإياكما أن يخدعكما يهود أو أن يظفروا بأحد منكم . / صفحة 299 / فأرسل أبو سفيان وعيينة إليهم عكرمد بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يستخبرونهم ذلك ( 1 ) ويدعونهم إلى القتال معهم ويقولون إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر ونفذ الزاد وأبى محمد وأصحابه إلا لزوما لخندقهم ، وأنتم أعلم بعورة الموضع ، فاخرجوا الينا بجماعتهم لنناجز محمدا وأصحابه ، ونقتحم عليهم الخندق بجماعتنا . فلما جاء القوم بني قريظة بذلك قالوا : قد كنا مع محمد على حلف ولم نكن نرى منه إلا خيرا . ونقضنا ماكان بيننا وبينه ونخن نخشى ونخاف أن ضرستكم ( 2 ) الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ، ولا طاقه لنا به ، فلسنا بالذي نقاتل معكم حتى تععطونا رهائن من وجوه رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا . فلما انصرف بذلك القوم إلى أبي سفيان وعيينة علما أن الامر ما قاله نعيم بن مسعود ، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحدا . وقالت بنو قريظة هذا مصداق قول نعيم بن مسعود ولزموا معاقلهم ، واستوحش بعض القوم من بعض وتنافرت قلوبهم ولم يجد الاحزاب إلا الرحيل إلى بلادهم ، فرحلوا ، وافترقوا . وانصرف رسول الله صلوات الله عليه وآله على بني قريظة ، فقتلهم وسبى ذراريهم.

والمثال الثاني:

ومنها ما سمح به الرسول لمعبد بن أبى معبد الخزاعى من تخذيل قريش بعد انصرافهم من غزوة أُحد حتى لا يعاودوا الكرة لقتال المسلمين

والمثال الثالث :

من الامام الصادق,قال الشيخ في الارشاد: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، عن محمد بن يعقوب الكليني ، عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، ( عن جماعة من رجاله ) ( 9 ) ، عن يونس بن يعقوب قال : كنت عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام فورد عليه رجل من أهل الشام فقال له : إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض ، وقد جئت لمناظرة أصحابك ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ” كلامك هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أو من عندك ؟ ” فقال : من كلام رسول الله بعضه ، ومن عندي بعضه ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ” فأنت إذن شريك رسول الله ؟ ! ” فقل : لا ، قال : ” فسمعت الوحي عن الله ؟ ” قد : لا ، قد : ” فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله ؟ ” قال : لا ، فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلي فقال : ” يا يونس بن يعقوب ، هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم ” . ثم قال : ” يا يونس ، لو كنت تحسن الكلام لكلمته ” . قال يونس : فيالها من حسرة ، ثم قلت : جعلت فداك ، سمعتك تنهى عن الكلام وتقول : ” ويل لاصحاب الكلام ، يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد ، وهذا ينساق وهذا لا ينساق ، وهذا نعقله وهذا لا نعقله ” . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ” إنما قلت : ويل لقوم تركوا قولي وذهبوا إلى ما يريدون ، ثم قال : اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله ” . * ( هامش ) * ( 1 ) في الكافي : عمن ذكره . ( * ) / صفحة 195 / قال : فخرجت فوجدت حمران بن أعين – وكان يحسن الكلام – ومحمد بن النعمان الاحول ( 1 ) – وكان متكلما – وهشام بن سالم وقيس الماصر – وكانا متكلمين – فأدخلتهم عليه ، فلما استقر بنا المجلس – وكنا في خيمة لابي عبد الله عليه السلام على طرف جبل في طرف الحرم ، وذلك قبل الحج بأيام – أخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة ، فإذا هو ببعير يخب ( 2 ) فقال : ” هشام ورب الكعبة ” . قال : فظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة لابي عبد الله ، فإذا هشام بن الحكم قد ورد ، وهو أول ما اختطت لحيته ، وليس فينا إلا من هو أكبر سنا منه ، قال : فوسع له أبو عبد الله عليه السلام وقال : ” ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ” . ثم قال لحمران : ” كلم الرجل ” يعني الشامي ، فكتمه حمران فظهر عليه . ثم قال : ” يا طاقي كلمه ” فكلمه فظهر عليه محمد بن النعمان . ثم قال : ” يا هشام بن سالم كلمه ” فتعارفا . ثم قال لقيس الماصر : ” كلمه ” فكلمه ، وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما ، وقد استخذل الشامي في يده . ثم قال للشامي : ” كلم هذا الغلام ” يعني هشام بن الحكم . فقال : نعم ، ثم قال الشامي لهشام : يا غلام ، سلني في إمامة * ( هامش ) * ( 1 ) في هامش ” ش ” : يعني مؤمن الطاق . ( 2 ) الخبب : ضرب من العدو ، وخب الفرس إذا راوح بين يديه ورجليه . ” الصحاح – خبب – 1 : 117 ” . ( * ) / صفحة 196 / هذا – يعني أبا عبد الله عليه السلام – فغضب هشام حتى ارتعد ( 1 ) ثم قال له : أخبرني يا هذا ، أربك أنظر لخلقه أم هم لانفسهم ؟ فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه . قال : ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟ قال : كلفهم وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم ، وأزاح في ذلك عللهم . فقال له هشام : فما الدليل الذي نصبه لهم ؟ قال الشامي : هو رسول الله صلى الله عليه وآله . قال له هشام : فبعد رسول الله من ؟ قال : الكتاب والسنة . قال له هشام : فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه ، حتى رفع عنا الاختلاف ومكننا من الاتفاق ؟ قال الشامي : نعم . قال له هشام : فلم اختلفنا نحن وأنت ، وجئتنا من الشام تخالفنا وتزعم أن الرأي طريق الدين ، وأنت مقر بأن الرأى لا يجمع على القول الواحد المختلفين ؟ فسكت الشامي كالمفكر . * ( هامش ) * ( 1 ) في ” ش ” : أرعد ، وما أثبتناه من ” م ” وهامش ” ش ” وهو موافق للكافى والاحتجاج ونسخة البحار . ( * ) / صفحة 197 / فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ( ما لك لا تتكلم ؟ ) قال : إن قلت إنا ما اختلفنا كابرت ، وإن قلت إن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت ، لانهما يحتملان الوجوه ، ولكن لي عليه مثل ذلك . فقال أبو عبد الله : ” سله تجده مليا ” . فقال الشامي لهشام : من أنظر للخلق ، ربهم أم أنفسهم ؟ فقال هشام : بل ربهم أنظر لهم . فقال الشامي : فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ، ويرفع اختلافهم ، ويبين لهم حقهم من باطلهم ؟ . قال هشام : نعم . قال الشامي : من هو ؟ قال هشام : أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله ، وأما بعد النبي عليه السلام فغيره . قال الشامي : ومن هو غير النبي عليه السلام القائم مقامه في حجته ؟ قال هشام : في وقتنا هذا أم قبله ؟ قال الشامي : بل في وقتنا هذا . قال هشام : هذا الجالس – يعني أبا عبد الله عليه السلام – الذي تشد إليه الرحال ، ويخبرنا بأخبار السماء ، وراثة عن أب عن جد .

/ صفحة 198 / قال الشامي : وكيف لي بعلم ذلك ؟ قال هشام : سله عما بدا لك . قال الشاي : قطعت عذري ، فعلي السؤال . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ” أنا أكفيك المسألة يا شامي ، أخبرك عن مسيرك وسفرك ، خرجت يوم كذا ، وكان طريقك كذا ، ومررت على كذا ، ومر بك كذا ” . فاقبل الشامي كلما وصف له شيئا من أمره يقول : صدقت والله . ثم قال له الشامي : أسلمت لله الساعة . فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ” بل آمنت بالله الساعة ، إن الاسلام قبل الايمان ، وعليه يتوارثون ويتناكحون ، والايمان عليه يثابون ” . قال الشامي : صدقت ، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي الاوصياء . قال : فأقبل أبو عبد الله عليه السلام على حمران بن أعين فقال : ” يا حمران ، تجري الكلام على الاثر فتصيب ” . والتفت إلى هشام بن سالم فقال : ” تريد الاثر ولا تعرف ” . ثم التفت إلى الاحول فقال : ” قياس رواغ ( 1 ) ، تكسر باطلا بباطل ، إلا أن باطلك أظهر ” . * ( هامش ) * ( 1 ) راغ الثعلب : ذهب يمنة ويسرة في سرعة خديعة ، فهو لا يستقر في جهة ” مجمع البحرين – راغ – 5 : 10 ” . ( * ) / صفحة 199 / ثم التفت إلى قيس الماصر فقال : ” تكلم وأقرب ما تكون من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله أبعد ما تكون منه ، تمزج الحق بالباطل ، وقليل الحق يكفي من كثير الباطل ، أنت والاحول قفازان حاذقان ” . قال يونس بن يعقوب : فظننت والله أنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما ، فقال : ” يا هشام ، لا تكاد تقع ، تلوي رجليك ، إذا هممت بالارض طرت ، مثلك فلبكلم الناس ، اتق الزلة ، والشفاعة من ورائك “.- الارشاد – الشيخ المفيد ج 2 ص 194 .

9- هل يمكن ان تؤدي الاشاعات الى حدوث الفتن, وكيف يمكن ان نحول دون ذلك؟

الاشاعات تقدم اجوبةعلى اسئلة تتعلق باحداث هامة في حياة الناس من جهة , ويشوبها الغموض والشك من جهة اخرى , وتنتشر في مجتمع تنعدم فيه الاخبار الدقيقة والصادقة ,وتشوبه التهم والتهم المضادة,وتسوده”حالةمن القلق والخوف والتوتّر والترقّب فتنشر الاشاعات الهدّامة التي تتعلّق بحياة الإنسان ومصالحه؛ لاثارة الخوف والرعب والفرقة والخلاف والضعف، فتثير الاشاعات المخوّفة من الغلاء وندرة السلع، أو قوة العدو العسكرية وتفوقه، أو ضعف قوة المسلمين، أو الفرقه الطائفية والعنصرية والمذهبية والاقليمية، أو التشكيك بالشخصيات والقيادات والكيانات الإسلامية والايحاء للآخرين بالشبهات والتهم وضعف الصف الإسلامي وتخلخل تماسكه…الخ”.

ان الحيلولة دون ان تاخذ الاشاعات طريقها الى اثارة الفتن تاتي بمواجهة مكشوفة معها,على قاعدة ان الشائعة تنتشر حيث يغيب الخبر فلابد من قيام وسائل الاعلام الهادفة بدور ياخذ مناح عدة :

اولا:تقديم الاخبار بصورة حقيقية.

ثانيا:ربط الاحداث بكل ما يتعلق بها.

ثالثا:تعزيز الحس النقدي مقابل الاخبار والتحليلات.

رابعا:تعزيز الثقة بالنفس , بالتركيز على مواطن القوة.

خامسا :بيان الاهداف الاستراتيجية للاعداء.

سادسا:التشهير بالخونة والعملاء بعد ثبوت ذلك ,ولايقال ان التشهير حرام مطلقا , فقد ثبت من الشريعة الاسلامية جواز بل وجوب ذلك في مواضع منها ما لو ترك لادى الى تضييع اديان الناس واموالهم وما اليها.

ولابد لافراد المسلمين من مراعاة الامور التالية:

1- التوقف عند عدم العلم قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)الاسراء.

2- التوقف حتى عند الظن لانه ليس علما,قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(12)الحجرات.

3- التثبت مما يصل من معلومات: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)الحجرات.

4- الرجوع الى المعنيين بالخبر وعرضه عليهم,قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(83)النساء.

5- الاطمئنان الى القيادة وعدم الارتياب بها قال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45)التوبة.

6- ترك ترديد الشائعة لتختنق في مهدها: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(19)النور.

وفي عرض ذلك كله يبقى دور السلطةالحاكمة اساسيا فلا بد من اخذ مطلقي الاشاعات بذنوبهم وايقاع العقوبات بهم بما يردع اصحاب الاهواء.

مراجع :

القرآن الكريم.

المرجع,المجلد الاول: العلايلي,الشيخ عبدالله. دار المعجم العربي,بيروت.الطبعة الاولى:1963.

المنجد في اللغة:دار المشرق,بيروت.الطبعة الثالثة والثلاثون:1992.

موسوعة السياسة:الكيالي,د.عبد الوهاب.المؤسسة العربية للدراسات والنشر,بيروت الطبعة الثانية,1993.

هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s